فهرس الكتاب

الصفحة 2175 من 4996

صفحة رقم 277

أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه ، فكونوا ممن يسجد له طوعًا ولا تكونوا ممن لا يسجد له إلا كرهًا .

ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم ، التفت إلى أسلوب التلكم فقال تعالى: ( فإياي ) أي ذلك الواحد أنا وحدي لا شريك لي ، فمن لم يوحدني أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه .

ولما كانت الوحدانية مما لا يخفي على عاقل ، وكانت مركوزة في كل فطرة بدليل الاضطراب عند المحن ، والشدائد والفتن ، وكانت الرهبة - كما مضى عن الحرالي في البقرة - خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم ، عبر بها فقال تعالى: ( فارهبون ( مختصًا بذلك ولا تخافوا شيئًا غيري من صنم ولا غيره ، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة ، وإن أودعته فإنه لا يتمكن من إنفاذها ، فالأمر كله إليّ وحدي .

ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالًا على التردي بحجاب الكبر المؤذن بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام ، رجع إليه فقال تعالى: ( وله( فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ) ما في الَّسماوات ( .

ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد ، وظهر المراد منه غاية الظهور ، لم يحتج إلى تأكيده بإعاداة النافي ، فقال تعالى: ( والأرض ) أي مما تعبدونه وغيره ، فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلهًا وهو ملكه ، مع كونه محتاجًا إلى الزمان والمكان وغيرهما ) وله الدين ) أي الخضوع والتذلل من كل ما فيهما ومن فيهما بالطوع والكره ، بإنفاذ القضاء والقدر ، بالصحة والسقم ، والغني والفقر ، والحياة والموت ، والإيجاد والإعدام ، والإذلال والإعزاز ، والإقبال والإعراض - كما بين آنفًا ، وله الدينونة بالمجازاة ) واصبًا ) أي دائمًا ثابتًا عامًا لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها ، والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات فتصير كاسدة بعد أن كانت رابحة وإن طال المدى ، مع خصوصها بناس دون غيرهم ، ولا يخلو يوم من الأيام لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم سلطانه ، وعلا شأنه ، وكثرت أعوانه ، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلهًا ، وقد تقدم في

77 ( ) إن ربي على صراط مستقيم ( ) 7

[ هود: 56 ] في هود ما ينفع استحضاره هنا .

ولما تقرر هذا الدليل على هذه الصفة ، وكان من مفهومات الدين الجزاء الناظر إلى الأفعال الواقية مما يضر ، تسبب عنه الإنكار الشديد على من يلتفت بشيء من أفعاله إلى غيره بعد علمه بأنه دائم لا يزول ، وأن كل ما سواه زائل ، فقال معبرًا بالتقوى التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت