فهرس الكتاب

الصفحة 2182 من 4996

صفحة رقم 284

معه السامع العاقل إلى أكثر من السماع ، قال تعالى ) إن في ذلك ( الماء المؤثر بتدبيره هذا الأثر العظيم ) لآية لقوم يسمعون ( هذا التنبيه في هذا الأسلوب المتضمن لما مضى من التشبيه ، فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح الأشباح بالعلم بعد موتها ، والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق ، وترك العناد والجهل ، فهو من سماع الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة ، استعمالًا للشيء في حقيقته ومجازه ، ولعله لم يختمها ب( يبصرون ) لئلا يظن أن ذلك من البصيرة ، فيظن أنه يحتاج فيها إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح .

ولما ذكر سبحانه هذا الأمر العام ، ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف به ، أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور ، المحتوية على عجائب المقدور ، وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم ، وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلًا في قوام عيشهم ، فقال: ( وإن لكم ) أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم ) في الأنعام ( ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل إلى العلم قال: ( لعبرة ( فكأنه قيل: ما هي ؟ فقيل: ( نسقيكم ( بضم النون في قراءة الجماعة من أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائمًا من نهر أو لبن وغيرهما ، وبالفتح في قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة: من سقاه - إذا ناوله شيئًا فشربه .

ولما كان الأنعام اسم جمع ، فكان مفردًا كما نقل ذلك سيبويه ، وذكر المسقي وهو اللبن ، لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت إرادة الإناث لذلك ، فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير ، قال تعالى: ( مما ) أي من بعض الذي ) في بطونه ( فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون .

ولما كان موضع العبرة تخليص اللبن من غيره ، قدم قوله تعالى: ( من بين فرث( وهو الثقيل الذي ينزل إلى الكرش ، فإذا خرج منه لم يسم فرثًا ) ودم لبنًا خالصًا( من مخالط منهما أو من غيرهما يبغي عليه بلون أو رائحة ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته ، فكان أسفله فرثًا ، وأوسطه لبنًا ، وأعلاه دمًا .

والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسيمها ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث في الكرش .

)سائغًا ) أي سهل المرور في الحقل ) للشاربين ( ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة ، فقال تعالى معلقًا ب( نسقيكم ) ) ومن الثمرات النخيل والأعناب ( .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت