فهرس الكتاب
صفحة رقم 309
في ذلك من المشقة عطفًا على هذا المقدر فقال تعالى مؤكدًا لأجل تكذيب المكذبين: ( ولنجزين ) أي الله - على قراءة الجماعة بالياء ونحن - على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتًا إلى التكلم للتعظيم ) الذين صبروا ( على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي ) أجرهم ( ولما كان كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه ، أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال:( بأحسن ما كانوا ) أي كونًا هو جبلة لهم ) يعلمون ( .
ولما وعد بعد أن توعد ، أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفًا ولا وضيعًا ، وإنما هودائر مع الوصف الذي رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة ، وبالعهد أخرى ، وهو الإيمان ، فقال تعالى جوابًا لمن كأنه قال: هذا خاص بأحد دون أحد ، مرغبًا في عموم شرائع الإسلام: ( من عمل صالحًا ( ولما كانت عامة ، وكانت ربما خصت الذكور ، بين المراد من عمومها بقوله تعالى: ( من ذكر أو أنثى ( فعم ثم قيد مشيرًا بالإفراد إلى قلة الراسخين بقوله تعالى: ( وهو مؤمن ( .
ولما كان الإنسان كلما علا في درج الإيمان ، كذا جديرًا بالبلاء والامتحان ، بين تعالى أن ذلك لا ينافي سعادته ، ولذلك أكد قوله: ( فلنحيينه( دفعًا لما يتوهمه المستدرجون بما فعل يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ) حياة طيبة ) أي في الدنيا بما نؤتيه من ثبات القدم ، وطهارة الشيم ) ولنجزينهم ( كلهم ) أجرهم ( في الدنيا والآخرة ) بأحسن ما كانوا ) أي كونًا جبليًا ) يعلمون ( قال العلماء رضي الله عنهم: المطيع في عيشه هنيئة ، إن كان موسرًا فلا كلام فيه ، وإن كان معسرًا فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة ، والفاجر بالعكس ، إن كان معسرًا فواضح ، وإن كان موسرًا فحرصه لا يدعه يتهنأ فهو لا يزال في عيشه ضنك .
ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة ، وأشارت بحسن ألفاظها وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقةن فلاح بذلك أن القرآن تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان ، وختم ذلك بالحث على العمل الصالح ، وكان القرآن تلاوة وتفكرًا وعملًا بما ضمن أجل