فهرس الكتاب
صفحة رقم 324
لما كان ذلك ، وأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن يستن بآثاره ، ويقتدي بإضماره وإظهاره ، فسر له تلك الملة التي أمره باتاعها فقال تعالى: ( ادع ) أي كل من تمكن دعوته ) إلى سبيل ربك ) أي المحسن إليك ، بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه واتساعه ، وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية ) بالحكمة ( وهي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد ، وقيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لا ينبغي أن يختار ، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد - قاله الرماني ، وهي في الحقيقة الحق الصريح ، فمن كان أهلًا له دعا به ) والموعظة ( بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة بالرهبة والإنذار بالبشارة ) الحسنة ) أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها ، ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها ، مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن لا يحتمل إلا ذلك ) وجادلهم ) أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج ) بالتي هي أحسن ( من الطرق بالترفق واللين والوقار والسكينة ، ولا تعرض عنهم يأسًا منهم ، ولا تجازهم بسيئ مقالهم وقبيح فعالهم صفحًا عنهم ورفقًا بهم ، فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب عقول المدعوين ، لأن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم ، وقيل: الدعوة إن كانت لتقرير الدين وتثبيت الإعتقاد في قلوب أهله - وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال نقيض - فهي الحكمة وهي لطالب الحق المذعن غن كان مستعدًا للقبول بفكرة الثاقب ، وإن كانت مقانة لاحتمال النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة وهي للمذعن الذي لا استعداد له ، وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين فهي المجادلة ، فإن كانت مركبة من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم فقط فهي الحسنة ، وإن كانت من مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل الباطلة والطرق الفاسدة فهي السيئة التي لا يليثق بمنصف ؛ ثم علل الملازمة لدعائهم على هذا الوجه بقوله تعالى:( إن ربك ) أي المحسن إليك بالتخفيف عنك ) هو ) أي وحده ) أعلم ) أي من كل من يتوهم فيه علم ) بمن ضل عن سبيله ( فكان في أدنى درجات الضلال - وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق - فلا انفكاك له عن الضلال ، وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان في أدنى درجات الهداية ) وهو ) أي خاصة ) أعلم بالمهتدين ) أي الذين هم في النهاية منها ، فالآية من الاحتباك: ذكر أولًا ( من ضل ) دليلًا على حذف ضده ثانيًا ، و ) المهتدين ( ثانيًا دليلًا على حذف ضدهم أولًا .
وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا بإعلامنا ، وقد ألزمناك البلاغ المبين ، فلا تفتر عنه معرضًا عن الحرص المهلك واليأس فإنه ليس عليك هداهم .