فهرس الكتاب
صفحة رقم 369
يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف نبي أن في العالم من يثبت إلهًا - وما نرى أن ذلك يكون - فإن كان فأمره على الاختلاف - يعني عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل .
وما قاله الحليمي نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه ؛ قال الزركشي في آخر باب الديات من شرحه على المنهاج: وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور - أي عدم بلوغ - الدعوة حيث قال: وما أظن أحدًا إلا بغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء النهر بكوننا ، وقال الدميري: وقال الشافعي: ولم يبق من لم تبلغه الدعوة .
ولما أشار إلى عذاب المخالفين ، قرر أسبابه وعرف أنها بقدره ، وأن قدره لا يمنع حقوق العذاب ، لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول بينهم فقال تعالى: ( وإذا ) أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا ، وإذا أردنا أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، ألقينا في قلوب أهلها أمتثال أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا ، وإذا ) أردنا ( وإرادتنا لا تكون إلا عظيمة جدًا ) أن نهلك ) أي بعظمتنا ) قرية ( في الزمن المستقبل ) أمرنا ) أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها ) مترفيها ( الذين لهم الأمر والنهي بالفسق ، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعلمون من المعاصي ، الذي كان - بكونه سببًا لبطرهم ومخالفتهم - كالأمر بالفسق ) ففسقوا فيها ( بعد ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما قال تعالى
77 ( ) فلما نسوا ما ذكروا به ( ) 7
-أي على ألسنة الرسل -
77 ( ) فتحنا عليهما أبواب كل شيء ( ) 7
[ الأنعام: 44 ] الآية
77 ( ) وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها ( ) 7
[ الأنعام: 123 ] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع ، ولأنهم أحق الناس بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر ، ويجوز أن يكون: أمرناهم بأوامرنا ففسقوا فيها ، أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعًا أن أوامرنا تكون بها ولا تكون بغيرها ، لأنا لا نأمر بالفحشاءن وقد جرت العادة بأن المترف عسر الانقياد ، لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعًا بعدما كان متبوعًا ، فعصوا فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على المعصية فأهلكناهم ، وقرأ يعقوب: آمرنا - بمد الهمزة بمعنى كثرنا ، من آمرت الشيء وأمرته فأمر - إذا كثرته وفي الحديث ( خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة ) أي كثيرة النتاج ؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية: آمر بنو فلان .
والكثرة راجعة إلى