فهرس الكتاب
صفحة رقم 408
ولما قرر سبحانه بهذه الجمل ما يسر لهم من البر ، وسهل من شدائد البحر في معرض التهديد ، أتبعه أنه فعل ذلك تكريمًا لهم على سائر مخلوقاته ، كما هو شأنه في القدرة على ما يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية عند أول خلقه لها ، ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة ، مشيرًا إلى أنه ركب جوهر الإنسان من نفس هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من الاغتذاء والنمو والتوليد بالحس ظاهرًا وباطنًا وبالحركة بالاختيار ، وخصه على سائر الحيوان بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي ، ويتجلى بها نور معرفة الله ، ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق والأمر ، وتحيط بأقسام المخلوقات من الأرواح والأجسام كما هي ، فكانت بذلك النفس الإنسانية أشرف نفوس هذا العالم ، وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال القامة وامتدادها والتناول باليد وغير ذلك ، فقال تعالى عاطفًا على ما يرشد إليه السياق من مثل أن يقال: فلقد كرمناكم بذلك من أزجاء الفلك وإنجائكم في وقت الشدائد ، أو على: ولقد فضلنا: ( ولقد كرمنا ) أي بعظمتنا تكريمًا عظيمًا ) بني ءادم ) أي على سائر الطين بالنمو ، وعلى سائر النامي بالحياة ، وعلى سائر الحيوات بالنطقنفكان حذف متعلق التكريم دالًا على عمومه لجميع الخلق ، وذلك كله تقديرًا للقدرة على البعث ) وحملناهم في البر ( على الدواب وغيرها ) والبحر ( على السفن وغيرها ) ورزقناهم ) أي رزقًا يناسب عظمتنا ) من الطيبات ) أي المستلذات من الثمرات والأقوات التي يأكل غيرهم من الحيوان قشّها ) وفضلناهم ( في أنفسهم بإحسان الشكل ، وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين ، وفي رزقنا لهم بما تقدم .
ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم ، وكان أغلب أفراده ضالًا ، قال لذلك: ( على كثير ممن خلقنا ) أي بعظمتنا التي خلقناهم بها وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: ( تفضيلًا( هذا ما للمجموع ، وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من معالجتهم بالإخلاص وجهادهم لأهويتهم ، لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص ، ولما لها من الدسائس حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان ، وتقديم الأمر للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام توطئة لهذه الآية أدل دليل على هذا .
ولما قرر سبحانه على التفضيل في الحياة الحسية والمعنوية ، والمفاضلة بين الأشياء في الشيئين فثبت بذلك قدرته على البعث ، وختم ذلك بتفضيل البشر ، وكان يوم الدين أعظم يوم يظهر في التفضيل ، أبدل من قوله )يوم يدعوكم ( مرهبًا من سطواته في ذلك اليوم ، ومرغبًا في اقتناء الفضائل في هذا اليوم قوله تعالى:( يوم ندعوا ) أي بتلك