فهرس الكتاب

الصفحة 2436 من 4996

صفحة رقم 538

بإضافتها إلى نفسه فقط ، إشارة إلى مبالغته في تعظيمها ؛ والرغبة عن الشيء: تركه عمدًا .

ثم ناداه باسمه لا بلفظ النبوة المذكر بالشفقة والعطف زيادة في الإشارة إلى المقاطعة وتوابعها فقال: ( يا إبراهيم ( ثم استأنف قوله مقسمًا: ( لئن لم تنته( عما أنت عليه ) لأرجمنك ) أي لأقتلنك ، فإن ذلك جزاء المخالفة في الدين ، فاحذرني ولا تتعرض لذلك مني وانته ) واهجرني ) أي ابعد عني ) مليًا ) أي زمانًا طويلًا لأجل ما صدر منك هذا الكلام ، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى ، ويقاسي من قومه من العناء ، ومن عمه أبي لهب من الشدائد والبلايا - بأعظم آبائه وأقربهم به شبهًا ) قال ) أي إبراهيم عليه السلام مقابلًا لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة العلم: ( سلام عليك ) أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء ؛ ثم استأنف قوله: ( سأستغفر( بوعد لا خلف فيه ) لك ربي ) أي المحسن إليّ بأن أطلب لك منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للاسلام الجابّ لما قبله ، لأن هذا كان قبل أن يعلم أنه عدو لله محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه بعذابه في قوله: ( إني أخاف أن يمسك ( .

ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له من الإذلال لما له من مزيد القرب فقال: ( إنه كان بي ) أي في جميع أحوالي ) حفيًّا ) أي مبالغًا في إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة ، ثم عطف على عدوه بالإحسان وعده بما سأل فيه الهجرة فقال: ( وأعتزلكم ) أي جميعًا بترك بلادكم ؛ وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون أهلًا للمناداة في الشدائد بقوله: ( وما تدعون ) أي تعبدون ) من دون الله ( الذي له الكمال كله ، فمن أقبل عليه وحده أصاب ، ومن أقبل على غيره فقد خاب ولم يقيد الاعتزال بزمن ، بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم ) وأدعوا ) أي أعبد ) ربي ( وحده لا ستحقاقه ذلك مني بتفرده بالإحسان إليّ ، ثم دعا لنفسه بما نبههم به على خيبة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته إجلالًا لربه وهضمًا لنفسه:( عسى ألاّ أكون ) أي كونًا ثابتًا كأنه احترز بذلك عما لا بد للأولياء منه في الدنيا من البلاء ) بدعاء ربي ( المتفرد بالإحسان إلي ) شقيًا ( كما كنتم أنتم أشقياء بعبادة ما عبدتموه ، لأنه لا يجيب دعاءكم ولا ينفعكم ولا يضركم .

ولما رأى من أبيه ومعاشريه ما رأى ، عزم على نشر شقة النوى مختارًا للغربة في البلاد على غربة الأضداد ، فكان كما قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمة الله:

وما غربة الإنسان في شقة النوى ولكنها والله في عدم الشكل وإني غريب بين بست وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت