فهرس الكتاب

الصفحة 2445 من 4996

صفحة رقم 547

ولما كان من شأن الوعود الغائبة - على ما يتعارفه الناس بينهم - احتمال عدم الوقوع ، بين أن وعده ليس كذلك بقوله: ( إنه كان ) أي كونًا هو سنة ماضية ) وعده مأتيًّا ) أي مقصودًا بالفعل ، فلا بد من وقوعه ، فهو كقوله تعالى

77 ( ) إن كان وعد ربنا لمفعولًا ( ) 7

[ الإسراء: 108 ] .

ولما كانت الجنة دار الحق ، وكان أنكأ شيء لذوي الأقدار الباطل ، وكان أقل ما ينكأ منه سماعه ، نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال: ( لا يسمعون فيها لغوًا ) أي شيئًا ما من الباطل الذي لا ثمرة له .

ولما كانت السلامة ضد الباطل من كل وجه ، قال: ( إلا ) أي لكن ) سلامًا ( لا عطب معه ولا عيب ولا نقص أصلًا فيه ، وأورد على صورة الاستثناء من باب قول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

ويحسن أن يراد باللغو مطلق الكلام ؛ قال في القاموس: لغا لغوًاك تكلم .

أي لا يسمعون فيها كلامًا إلا كلامًا يدل على السلامة ، ولا يسمعون شيئًا يدل على عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها .

ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال: ( ولهم رزقهم ) أي على قدر ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ولا كلفة عليهم فيه ولا يمن عليهم به ) فيها بكرة وعشيًا ) أي دوامًا ، لا يحتاجون إلى طلبه في وقت من الأوقات ، وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد: وليس فيها بكرة ولا عشي ، لكنهم يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا .

أي أنهم خوطبوا بما يعرفون كما أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم بعدهم عن ذلك بالجنة .

ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل ، أشار إلى علو رتبتها وما هو سببها بقوله: ( تلك الجنة( بأداة البعد لعلو قدرها ، وعظم أمرها ) التي نورث ) أي نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين التأهل له بالموت ولا كد ولا استرجاع ) من عبادنا ( الذين أخلصناهم لنا ، فخلصوا عن الشرك نية وعملًا ) من كان ) أي جبلة وطبعًا ) تقيًا ) أي مبالغًا في التقوى ، فهو في غاية الخوف منا لاستحضاره أنه عبد ؛ قال الرازي في اللوامع: وما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار الافتقار ، والعبد يكون ذليلًا بأوصافه ، عزيزًا بأوصاف الحق تعالى - انتهى .

وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى .

ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في هذه السورة ثلاث مرات ، وختمه بأنه سبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت