فهرس الكتاب
صفحة رقم 9
القرآن ودوامه ، وما فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من الأحكام أصولًا وفروعًا ، والمواعظ والرقائق ، والمعارف والآداب ، وأخبار الأولين والآخرين ، ومصالح الدارين ، وزيادته عليها بما شاء الله ، لأن كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب ، والتعبير عن ( لكن ) بالإشارة إلى أنه يمكن أن يمون من باب:
ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله ) تنزيلا ( إلى أنه يتمهل عليهم ترفقا بهم ، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجا ، إزالة لشبههم ، وشرحا لصدورهم ، وتسكينا لنفوسهم ، ومدا لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام إليهم ، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى ، بلبل أرسل إليهم رسولا لئلا يقولوا: ربنا لولا - كما اقتضته حكمته وتمت به كلمته ، ولما كان رجوعههم إلأى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة والسماخة التي سماهم الله به قوما لدا في غاية البعد ، شرع سبحانه بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء ، وأن شأنه الرفق والأناة ، فقال ملتفتا من التكلم إلأى الغيبة ليدل على ما افتضته النون من العظمة مقدما ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية من أريد منهم ) ممن خلق الأرض( المنخفضة .
ولما قدم الأرض إعلاما بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم تحقيقا لمقصود السورة تشريفا للمنزل عليه ، أتبعها محل الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزة في خزانة العرش فقال )السموات العلى ( في ستى أيام ، ولو شاء كانتا في لحظة .
ولما كان القادر قد لا يكون ملكا ، قال دالا على ملكه مادحا له بالقطع خبرا لمبتدأ محذوف: ( الرحمن ( مفتتحا بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي ، ثم ذكر خبرا ثانيا دالا على عموم الرحمة فقال: ( على العرش( الحاوي لذلك كله ) استوى ) أي أخذ في تدبير ذلك منفردا ، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم فلان استوى ، أي جلس معتدلا على سرير الملك ، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه أصلا ، هذا روح هذه العبارة ، كما أن روح قوله عليه الصلاة والسلام الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما"القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء"أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ذلك ، وهو عليه