صفحة رقم 84
ولما كان مطبوعًا على العجلة قالك لا ) من عجل ( فلذا يكفر ، لأنه إذا خولف بادر إلى الانتقام عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك ، وأن التأخير ما هو إلا عن عجز أو عن رضى ؛ ثم قا لتعالى مهددًا للمكذبين ك ) سأوريكم ( حقًا ) ءاياتي ( بين أيديكم وجعلهم شجًا في حلوقكم حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغيره ذلك من العظائم ) فلا تستعجلون ) أي تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره ، فإني منزه عن العجلةة التي هي من جملة نقائصكم .
ولما ذم العجلة وهي إرادة الشيء قبل أ ، انه ، ونهى عنها ، قال دالًا عليها عاطفًا على عامل ) هذا (:( ويقولون ) أي في استزائهم بأولياء الله: ( متى هذا ( وتهكموا بقولهم:( الوعد ) أي بإتيان الآيات من الساعة ومقدمتها وغيرها ، وزادوا في الإلهاب والتهييج تكذيبًا فقالوا: ( إن كنتم صادقين ) أي عريقين في هذا الوصف جدًا - بما دل عليه الوصف وفعل الكون .
ولما غلوا في الاستهزاء فكانوا أجهل الجهلة باستحالة الممكن ، استأنف الجواب عن كالمهم بنفي العلم عنهم في الحال والمآل دون المعاينة على طريق التهكم والاستهزاء بهم: ( لو يعلم الذين كفروا ( وذكر المفعول به فقال:( حين ) أي لو تجدد لهم علم ما بالوقت الذي تستعجلون به ؛ وذكر ما أضيف إليه ذلك الوقت فقال: ( لا يكفون ) أي فيه بأنفسهم ) عن وجوههم ( التي هي اشرف أعضائها ) النار ( استسلامًا وضعفًا وعجزًا ) ولا عن ظهورهم ( التي هي أشرف أجسادهم ، فعرف من هذا أنها قد أحاطت بهم وأنهم لا يكفون عن غير هذين من باب الأولى ) ولا هم ينصرون ) أي ولا يتجدد لهم نصر ظاهرًا ولا باطنًا بأنفسهم ولا بغيرهم ، لم يقولوا شيئًا من ذلك الكفر والاستهزاء والاستعجال ، ولكنهم لا يعلمون ذلك بنوع من أنواع العلم إلا عند الوقوع لأنه لا أمارة لها قاطعة بتعيين وقتها ولا تأتي بالتدريج كغيرها ، وهذا معنى ) بل تأتيهم ) أي الساعة التي هي ظرف لجميع تلك الأحوال وهي معلومة لكل أحد فهي مستحضرة في كل ذهن ) بغتة فتبهتهم ) أي تدعهم باهتين حائرين ؛ ثم سبب عن بهتهم قوله: ( فلا يستطيعون ردها( اي لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم عنه ) ولا هم ينظرون ) أي يمهلون من ممهل ما ليتداركوا ما أعد لهم فيها ، فيا شدة اسفهم على التفريط في الأوقات التي أمهلوا فيها في هذه الدار ، وصرفهم إياها في لذات أكثرها أكدار .