صفحة رقم 335
ولما ذكر ما أثمره العلم من الفعل في أنفسهم ، أتبعه ما أنتجه الحلم من القول لغيرهم فقال: ( وإذا ( دون( إن ) لقضاء العادة بتحقق مدخولها ، ولم يقل: والذين كبقية المعطوفات ، لأن الخصلتين كشيء واحد من حيث رجوعهما إلى التواضع ) خاطبهم ( خطابًا ما ، بجهل أو غيره وفي وقت ما ) الجاهلون ) أي الذين يفعلون ما يخالف العلم والحكمة ) قالوا سلامًا ) أي ما فيه سلامة من كل سوء ، وليش المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي الخطاب ، قال: لأن الآية فيما زعم مكية ، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ، ولكنه على قولك: تسليمًا لا خير بيننا وبينكم ولا شرًا - انتهى .
فلا حاجة إلى ادعاء نسخها بآية القتال ولا غيرها ، لأن الإعضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة ، وأسلم للعرض والورع ، وكأنه أطلق الخطاب إعلامًا بأن أكثر قول الجاهل الجهل .
ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل ، وكان الغالب على ذلك أن يكون جلوه نهارًا ، ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلًا ، وذكر هذه المعطوفات التي هي صفات بالواو ، تنبيهًا على أن كل واحدة منها تستقل بالقصد لعظم خطرها ، وكب أثرها ، فقال: ( والذين يبيتون( من البيتوتية: أن يدرك الليل نمت أو لم تنم ، وهي خلاف الظلول ؛ وأفاد الاختصاص بتقديم ) لربهم ) أي المحسن إليهم برحمانيته ، يحيون الليل رحمة لأنفسهم ، وشكرًا لفضله .
ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريبًا إلى الله ، لكونه أنهى الخضوع مع أنه الذي أباه الجاهلون ، قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن القيام في الصلاة فقال: ( سجدًا ( وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقًا لأن السجود على حقيقته فيتمحص الفعلان للصلاة ، فقال:( وقيامًا ) أي ولم يفعلوا فعل الجاهلين منالتكبر عن السجود ، بل كانوا - كما قال الحسن رحمه الله: نهارهم في خشوع ، وليلهم في خضوع .
ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق والخالق ، أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم ، بل هم وجلون ، وأن الحامل لهم على ذلك الإيمان باخرة التي كذب بها الجاهلون ) يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون ) [ المؤمنون: 60 ] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتمامًا بدرء المفسدة ، وإشعارًا بأنهم مستحقون لذلك وإن اجتهدوا ، لتقصيرهم عن أن يقدروه سبحانه حق قدره فقال: ( والذين يقولن ربنا ) أي أيها المحسن إلينا ) اصرف عنا عذاب جهنم ( الذي أحاط بنا لا ستحقاقناه إياه إلا أن يتداركنا عفوك ورجمتك ، بما توفقنا له من لقاء من يؤذينا بطلاقة الوجه ، لا بالتجهم ، ثم علل سؤالهم يقولهم:( إن عذابهما كان ) أي كونًا جبلت عليه ) غرامًا ) أي هلاكًا وخسرانًا ملحًا