صفحة رقم 354
متحققًا لذلك ، وما ترك قتله إلا التماسًا للبينة: ( فعلتها إذًا( اي إذ قتلته ) وأنا من الضالين ) أي لا أعرف دينًا ، فأنا واقف عن كل وجهة حتى يوجهني ربي إلى ما يشاء - قال ابن جرير: والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال - انتهى .
وقد تقدم في الفاتحة للحرالي في هذا الكلام نفيس - على أن هذه الفعلة كانت مني خطأ ) ففررت ( اي فتسبب عن فعلها وتعقبه أني فررت ) منكم ( اي منك لسطوتك ومن قومك لإغرائهم إياك عليّ ) لما خفتكم ( على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته خطأ مع كونه كافرًا مهدر الدم ) فوهب لي ربي ( الذي أحسن غليّ بتربيتي عندكم تحت كنف أمي آمنة مما أحدثتم من الظلم خوفًا مني ) حكمًا ( اي علمًا أعمل به عمل الحكام الحكماء ) وجعلني من المرسلين ( اي فاجهد الآن جهدك فإني لا أخافك لقتل ولا غيره .
ولما اجتمع في كلام فرعون منّ وتعيير ، بدأ بجوابه عن التعيير لأنه الأخير فكان أقرب ، ولأنه أهم ، ثم عطف عليه جوابه عما منّ به ، فقال موبخًا له مبكتًا منكرًا عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالًا في القول وإحسانًا في الخطاب: ( وتلك ) أي التربية الشنعاء العظيمة في الشناعة التي ذكرتنيها ) نعمة تمنها عليّ ( .
ولما كان سببها ظلمه لقومه ، جعله نفسها فقال مبدلًا منها تنبيهًا على إحباطها ، وإعلامًا بأنها - بكونها نقمة - أولى منها في عدها نعمة: ( أن عبدت ) أي تعبيدك وتذليلك على ذلك الوجه البديع المبعد قمي ) بني إسرائيل ( اي جعلتم عبيدًا ظلمًا وعدوانًا وهو أبناء الأنبياء ، ولسلفهم يوسف عليه السلام عليكم من المنة - بإحياء نفوسكم أولًا ، وعتق رقابكم ثانيًا - ما لا تقدرون له على جزاء أصلًا ، ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستبعد ، فأمرت بقتل أبنائهم ، فكان ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك - كما مر بيانه ويأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في سورة القصص .
ولما كلم اللئيم الذميم الكليم العظيم بما رجا أن يكفه عن مواجهته بما يكره ، ويرجعه إلى مداراته .
فلم يفعل ، وفهم ما في جوابه هذا الأخير من الذم له والتعجيز ، وإثبات القدرة التامة والعلم الشامل لله ، بما دبر في أمر مسى عليهالسلام ، وأنه لا ينهض لذلك بجواب ولا يحمد له فيه قول ، عدل عنه إلى جوابه عن الرسالة بما يموه به أيضًا على قومه لئلا يرجعوا عنه ، فأخبر تعالى عن محاورته في ذلك بقوله على طريق الجواب لمن كأنه قال: ما قال له جوابًا لهذا الكلام ، الذي كأنه السهام ؟: ( قال فرعون ( حائدًا عن جواب موسى عليه السلام لما فيه من تأنيبه وتعجيزه .
منكرًا لخالقه على سبيل التجاهل ، كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهو أعرف الناس بغالب