فهرس الكتاب
صفحة رقم 519
ولما كانت النفس من شأنها إن لم تزم بزمام الشرع الإسراف والإجحاف ، قالوا: ( ولا تبغ ) أي لا ترد إرادة ما ) الفساد في الأرض ( بتقتير ولا تبذير ، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير ، ثم أتبع ذلك علته مؤكدًا لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا ، وأكثرالناس يستبعد انيبسط فيها لغير محبوب ، فقيل:( إن الله ) أي العالم بكل شيء ، القدير على كل شيء ) لا يحب المفسدين ) أي لا يعاملهم معاملة من يحبه ، فلا يكرمهم .
ولما كان مما قالوه أن الذي أعطاه ذلك إنما هو الله ، وكان قد أبطرته النعمة حتى على خالقه حتى حصل التشوف إلى جوابه فقيل في اسلوب التأكيد لأن كل أحد يعلم من نفسه العجز ، وأن غيره ينكر عليه فيما يدعي أنه حصله بقوته: ( قال إنما أوتيته ) أي هذا المال ) على علم ( حاصل ) عندي ( فأنا مستحق لذلك ، وذلك العلم هو السبب في حصوله ، لا فضل لأحد عليّ فيه بما يفيده التعبير بإنما ، وبناء الفعل للمجهول إشارة إلى عدم علمه بالمؤتى من هو ، وقد قيل: إن ذلك العلم هو الكيمياء .
ولما كان التقدير: ألا يخاف أن يسلبه الله عقوبة له على هذا علمه وماله ونفسه ؟ ألم يعلم أن ذلك إنما هو بقدرة الله ؟ لا صنع له في الحقيقة في ذلك أصلًا ، لأن الله قد أفقر من هو أجل منه حيلة وأكثر علمًا ، وأعطى أكثر منه من لا علم له ولا قدرة ، فهو قادر على إهلاكه ، وسلب ما معه وإفنائه ، كما قدر على إيتائه ، عطف عليه قوله منكرًا عليه: ( أولم يعلم أن الله ) أي بما به من صفات الجلال والعظمة الكمال ) قد أهلك ( ونبه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان بإدخال من في قوله: ( من قبله( ولو حذفها لاستغرق الإهلاك على ذلك الوصف جميع ما تقدمه من الزمان ) من القرون ) أي الذين هم في الصلابة كالقرون ) من هو أشد منه ) أي قرون ) قوة ) أي في البدن ، والمعاني من العلم وغيره ، والأنصار والخدم ) وأكثر جمعًا ( في المال والرجال ، آخرهم فرعون الذي شاوره في ملكه ، وحقق أمره يوم مهم هلكه ، وكان يستبعده أمثالة ويسمهم سوء العذاب ، ولم يعاملهم معاملة من يحبه ولا امتنع عليه ذلك لعلم عند أحد منهم ولا جمع ، بل أخذهم لبغيهم وقبح تقلبهم وسعيهم .
ولما كانت عادة أهل الدنيا أنهم إذا غضبوا من أحد فأرادوا إهلاكه عاتبوه ، فتارة يحلف على نفي الذنب فيبل منه وإن كان كاذبًا ، وتارة يكشف الحال عن أن باطن أمره على خلاف ما ظهر من شره ، فيكون له عذر خفي ، أشار سبحانه إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل بحقائق الأمور ومقادير ما يستحق على كل ذنب من العقوبة ، وأمل المطلع على