فهرس الكتاب
صفحة رقم 528
يريدون ( ولم يقل يتعاطون مثلًا ، تعظيمًا لضرر الفساد بالتنفير منكل ما كان منه تسبب ، إعلامًا بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت قريبًا منه اقتحمته لا محالة ) علوًا ) أي شيئًا من العلو ) في الأرض ( فإنه أعظم جارّ غلى الفساد ، وإذا أرادوا شيئًا من ذلك فيما يظهر لك عند أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر ، كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في الدين لا علوهم ) ولا فسادًا ( بعمل ما يكره الله ، بل يكونون على ضد ما كان فيه فرعون وهامان وقارون ، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم ، لا لحظ دنيوي ، وعلامة العلو لأجل الإمامة لا الفساد إلا يتخذوا عباد الله خولًا ، ولا مال الله دولًا ، والضابط العمل بما يضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا .
ولما كان شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى ، أخبر سبحانه أنه دائمًا يجعل ظفرهم آخرًا ، فقال معبرًا بالاسمية دلالة على الثبات: ( والعاقبة ) أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة ، هكذا الصل ، ولكنه أظهر تعميمًا وإعلامًا بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى: ( للمتقين ) أي دائمًا في كلا الدارينن لا عليهم فمن اللام يعرف أنها محمودة ، وهذه الآية يُعْرَف أهل الآخرة من أهل الدنيا ، فمن كان زاهدًا في الأولى مجتهدًاُ في الصلاح ، وكتن ممتحنًا في أول أحواله مظفرًا في ماله ، فهو من أبناء الآخرة ، وإلا فهو للدنيا .
ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين ، وكان لا بد من إتيان الآخرة ، وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال ، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين ، فاستؤنف تفصيل ذلك جوابًا لمن كأنه قال: ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم ؟ بقوله: ( من جاء ) أي في الآخرة أو الدنيا ) بالحسنة ) أي الحالة الصالحة ) فله ( من فضل الله ) خير منها ( من عشرة أضعاف إلى سبعين غلى سبعمائة إلى ما لا يحيط به الله تعالى ) ومن جاء بالسيئة ( وهي ما نهى الله عنه ، ومنه إخافة المؤمنين ) فلا يجزي ( من جاز ما ، وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال: ( الذين عملوا السيئات( تصويراُ لحالهم تقبيحًا لها وتنفيرًا من عملها ، ولعله جمع هنا وأفرد أولًا إشارة إلى أن المسيء أكثر ) إلا ( مثله سواء عدلًا منه تعالى ، هكذا كان الصل ، ولكنه قال:( ما كانوا ) أي بجميع هممهم ) يعملون ( مبالغة في المثلية ، هذا في الآخرة ، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا مثل ذلك وإن خفي ، فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله الله للأمن ، فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف