فهرس الكتاب

الصفحة 3029 من 4996

صفحة رقم 572

للمؤمنين ، قال مخاطبًا لهم معرضًا عن سواهم إذا كانت أسماعهم لبليغ هذه المواعظ قد أصغت ، وقلوبهم لجليل هذه الإنذارات قد استقظت ، التفاتًا على قراءة الجمهور إلى التلذيذ في المناجاة بالإفراد والإبعاد من مداخل التعنت: ( يا عبادي ( فشرفهم بالإضافة ، ولكنه لما أشار بأداة البعد إلى أن فيهم من لم يرسخ ، حقق ذلك بقوله: ( الذين آمنوا ( اي وإن كان الإيمان باللسان مع أدنى شعبة من القلب .

ولما كان نزول هذه السورة بمكة ، وكانوا بها مستخفين بالعبادة خوفًا من الكفار ، وكانت الهجرة الأهل والأوطان شديدة ، قال مؤكدًا تنبيهًا على أن حال من ترك الهجرة حال من يظن أن الأرض ضيقة: ( إن أرضي واسعة ) أي في الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق ، فإن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين يفتنونكم في دينكم ويمنعونكم من الإخلاص إلى في أرضكم والاجتهاد في عبادتي حتى يصير الإيمان لكم وصفًا ، فهاجروا إلى ارض تتمكنون فيها من ذلك .

ولما كانت الإقامة بها قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة ، وكان المفتون ربما طاوع بلسانه ، وكان ذلك وإن كان القلب مطمئنًا بالإيمان في صورة الشرك قال: ( فإياي ) أي خاصة بالهجرة إلى ارض تأمنون فيها اعبدوا وتنبهوا ) فاعبدون ( بسبب ما دبرت لكم من المصالح من توسيع الأرض وغيره ، عبادة لا شرك فيها ، لا باللسان ولا بغيره ولا استخفافًا بها ولا مراعاة لمخلوق في معصيته ، ولا شيء يجر إليها بالهرب ممن يمنعكم من ذلك إلى من يعينم عليه .

ولما كانت الهجرة شديدة المرارة لأنها مرت في المعنى من حييث كونها مفارقة المألوف المحبوب من العشير والبلد والمال ، وكان في الموت ذلك كله بزيادة ، قال مؤكدًا بذلك مذكرًا به مرهبًا من ترك الهجرة: ( كل نفس ذائقة الموت ) أي مفارقة كل ما ألفت حتى بدنًا طالما لابسته ، وآنسها وآنسته ، فإن أطاعت ربها أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة في الأجل شيئًا ، وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئًا ، فإذا قدر الإنسان أنه مات سهلت عليه الهجرة ، فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت ، وما ذكر الموت في عسير إلا يسرهن ولا يسير إلا عسره وكدره .

ولما هوّن أمر الهجرة ، حذر من رضي في دينه بنوع نقص لشيء من الأشياء حثًا على الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد فقال: ( ثم إلينا( على عظمتنا ، لا إلى غيرنا ) ترجعون ( على أيسر وجه ، فيجازي كلًا منكم بما عمل .

ولما كان التقدير: فالذين آمنوا فلبسوا إيمانهم بنوع نقص لننقصهم في جزائهم ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت