فهرس الكتاب
صفحة رقم 596
رادّ لأمره ، لأهل الكتاب عامة ، نصرهم على المشركين في غزوة بدر وهو المقصود بالذات ، ونصر الروم على فارس لتصديق موعود الله ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من مشركي العرب على الفرس في وقعة ذي قار ، فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي إضافته إلى الله تعالى وهونصر أهل الدين الصحيح اصلًا وحالًا ومالًا ، وسوق الكلام على هذا الوجه الذي يحتمل الثلاثة من بدائع الإعجاز ، وسبب وقعة ذي قار أنه كان أبرويز هذا - الذي غلب الروم ثم غلبته الروم - قد غضب على النعمان بن المنذر ملك العرب ، فأتى النعمان هذا هانىء بن مسعود بن عامر الشيباني ، فاستودعه ماله وأهله وولده وألف شكة ، أو أربعة آلاف شكة - والشكة بكسر المعجمة وتشديد الكاف: السلاح كله - ووضع وضائع عند أحياء العرب ثم هرب فأتى طيئًا لصهره فيهم ، وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن لأم وزينب بنت أوس بن حارثة بن لأم ، فأبوا أن يدخلوه حبلهم وأتته بنو رواحة بن ربيعة بن عبس فقالوا له: أبيت اللعن اقم عندنا فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا ، فقال: ما أحب أن تهلكوا بسبب فجزيتم خيرًا ، ثم خرج حتى وضع يده في يد كسرى فحبسه بساباط ، وقال ابن مسكويه: بخانقين ، فلم يزل في السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه ، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط ، والصحيح ما حكيناه .
فلما مات النعمان جعلت بكر بن وائل تغير في السواد ، فغضب من ذلك كسرى ، ثم بعث غلى هانىء بن مسعود يقول له: إن النعمان إنما كان عاملي ، وقد استودعك ماله وأهله وحلقته فابعث إليّ بها ولا تكلفني ن أبعث إليك وإلى قومك بالجنود فتقتل المقاتلة وتسبي الذراري ، فبعث إليه هانىء أن الذي بلغك باطل ، وما عندي شيء ، وإن يكن الأمر كما قيل فإنما أنا أحد الرجلين: إما رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من استودعها ولن يسلم الحر أمانته ، أو رجل مكذوب عليه وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو أو حاسد .
وكانت الأعاجم لهم قوة وحلم ، وكانوا قد سمعوا ببعض حلم العرب ، وأن الملك كائن فيهم ، فلما ورد عليه كتاب هانىء بهذا حملته الشفقة أن يكون ذلك قد اقترب على ان خرج بنفسه ، فأقبل حتى قكع الفرات فنزل غمر بني مقاتل ، وقد أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانىء إياه ما منعه ، ودعا كسرى إياس بن قبيصة الطائي وكان عامله على عين التمر وما والاها ، فاستشاره في الغرة على بكر بم وائل فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من رعيته ، وإن تطعني لم يعلم أحد لأي شيء عبرت وقطعت الفرات ، فيرون أن أمر العرب قد كربك ، ولكن ترجع وتضرب عنهم وتبعث عليهم العيون حتى ترى منهم غرة ثم ترسل حينئذ كتيبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم فيوقعون بهم وقعة الدهر ،