فهرس الكتاب

الصفحة 3121 من 4996

صفحة رقم 19

وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام فقال: ( يأتِ بها الله ( بعظم جلاله ، وباهر كبريائه وكماله ، بعينها لا يخفى عليه ولا يذهب شيء منها ، فيحاسب عليها ، ثم علل ذلك من علمه وقدرته بقوله مؤكدًا إشارة إلى أن إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب النفوس إن لم يصحبها التوفيق: ( إن الله( فأعاد الاسم الأعظم تنبيهًا على استحضار العظمة وتعميمًا للحكم ) لطيف ) أي عظيم المتّ بالوجوه الخفية الدقيقة الغامضة في بلوغه إلى أمر أراده حتى بضد الطريق الموصل فيهما يظهر للخلق ) خبير ( بالغ العلم بأخفى الأشياء فلا يخفى عليه شيء ، ولا يفوته أمر .

ولما نبهه على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب ، أمره مما يدخره لذلك توسلًا إليه ، وتخضعًا لديه ، وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه ، فقال: ( يا بني( مكررًا للمناداة على هذا الوجه تنبيهًا على فرط النصيحة لفرط الشفقة ) أقم الصلاة ) أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها ، سعيًا في نجاة نفسك وتصفية سرك ، فإن إقامتها - وهي الإيتان بها على النحو المرضي - مانعة من الخلل في العمل ) إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ( لأنها الإقبال على من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق عدم ، ولهذا الإقبال والإعراض كانت ثانية التوحيد ، وترك ذكر الزكاة تبيهًا على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم .

ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه لحق الحق ، عطف على ذلك تكميله لنفسه بتكميل غيره توفية لحق الخلق ، وذلك ان لما كان الناس في هذه الدار سفرًا ، وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أوشك أن يؤخذ هو ، أمره لما يكمل نجاته بتكميل رفيقه ، وقدمه - وإن كان من جلب المصالح - لأنه يستلزم ترك المنكر ، وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير ، فإنك إذا قلت: لا تأت منكرًا ، لم يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل المعصية ، لا فعل الطاعة ، فقال: ( وأمر بالمعروف ) أي كل من تقدر على أمره تهذيبًا لغيرك شفقة على نفسك بتخليص أبناء جنسك .

ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم ، وكانت المعاصي مفسدة لها ، وكان فساد السفينة مغرقًا لكل من فيها: من أفسدها ومن أهمل المفسد ولم يأخذ على يده ، وكان الأمر بالمعروف نهيًا عن المنكر ، صرح به فقال: ( وانه ) أي كل من قدرت على نهيه ) عن المنكر ( حبًا لأخيك ما تحب لنفسك ، تحقيقًا لنصيحتك ، وتكميلًا لعبادتك ، لأنه ما عبد الله أحد ترك غيره يتعبد لغيره ، ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت