فهرس الكتاب

الصفحة 3124 من 4996

صفحة رقم 22

ذكر قال: ( من صوتك ( بإثبات( من ) أي لئلا يكون صوتك منكرًا ، وتكون برفع الصوت فوق الحاجة حمارًا ، وأما مع الحاجة كالأذان فهو مأمور به .

ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكرًا كما كان خفضه دونها تماوتًا أو دلالًا وتكبرًا ، وكان قد أشار إلى النهي عن هذا ب ( من ) فأفهم أن الطرفين مذمومان ، علل النهي عن الأول دالًا بصيغة ( أفعل ) على اشتراك الرفع كله في النكارة ذاكرًا أعلاها تصويرًا له بأقبح صورة تنفيرًا عنه فقال: ( إن أنكر ) أي أفظع وأبشع وأوحش ) الأصوات ) أي كلها المشتركة في النكارة برفعها فوق الحاجة ، وأخلى الكلام عن لفظ التشبيه فأخرجه مخرج الاستعارة تصويرًا لصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق وجعل المصوت كذلك حمارًا ، مبالغة في التهجين ، وتنبيهًا على أنه من كراهة الله له بمكان فقال: ( لصوت الحمير ) أي هذا الجنس ، لما له من الغلو المفرط من غير حاجة ، وأوله زفير وآخره شهيق ، وهما فعل أهل النار ، وأفرده ليكون نصًا على إدارة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع يستهجن التصريح باسمه ، وهذا يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستشبع ، ولقد دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق ، وهي أمهات الفضائل الثلاث: الحكمة والعفة والشجاعة ، وأمرت بالعدل فيها ، وهي وظيفة التقسيط الذي هو الوسط الذي هو مجمع الفضائل ، ونهت عن مساؤى الأخلاق ، وهي الأطراف التي هي مبدأ الرذائل الحاصل بالإفراط والتفريط ، فإقامة الصلاة التي هي روح العبادة المبنية على العلم هي سر الحكمة والنهي ، أمر الشجاعة ونهى عن الجبن ، وفي النهي عن التصعير وما معه نهي عن التهور ، والقصد في المشي والغض في الصوت أمر بالعفة ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور ، وفي النهي عن الاستماتة نهي عما قد يلزمها من الجزيرة ، وهي الفكر بالمكر المؤدي إلى اللعنة ، وعن الانحطاط إلى البله والغفلة ، والكافل بشرح هذا ما قاله الشيخ سعد الدين التفتازاني في الكلام على الإجماع ومن تلويحه ، قال: إن الخالق تعالى وتقدس قد ركب في الإنسان ثلاث قوى: إحداهما مبدأ إدراك الحقائق ، والشوق إلى النظر في العواقب ، والتمييز بين المصالح والمفاسد ، ويعبر عنها بالقوة النطقية والعقلية والنفس المطمئنة الملكية ، والثانية مبدأ جذب المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك ، وتسمى القوة الشهوية والبهيمية والنفس الامارة ، والثالثة مبدأ الإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع ، وهي القوة الغضبية والسبعية والنفس اللوامة ، ويحدث من اعتدال الحركة الأولى الحكمة ، والثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت