فهرس الكتاب
صفحة رقم 34
أي برحمة الملك الأعلى المحيط علمًا وقدرة وإحسانه ، مجددًا ذلك على مدى الزمان عليكم في تعليمكم صنعها حتى تهيأت لذلك على يدي أبيكم نوح العبد الشكور عليه السلام ) ليريكم من آياته ) أي عجائب قدرته ودلائله التي تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها ، وهي مساوية لغيرها في أن الكل من التراب ، فما فاوت بينها إلا هو بتمام قدرته وفعله بالاختيار .
ولما كان هذا أمرًا إذا جرد النظر فيه عن كونه قد صار مألوفًا بهر العقول وحير الفهزم ، أشار إليه بقوله مؤكدًا تنبيهًا مما هم فيه من الغفلة عنه ، لافتًا الخطاب بعد الجمع إلى الإفراد تنبيهًا على دقة الأمر وأنه - وإن كان يظن أنه ظاهر - لا يفهمه حق فهمه غيره ( صلى الله عليه وسلم ) ( ) إن في ذلك ) أي الأمر الهائل البديع الرفيع ) لآيات ) أي دلالات واضحات على ما له من صفات الكمال في عدم غرقه وفي سيرة إلى البلاد الشاسعة ، والأقطار البعيدة ، وفي كون سيره ذهابًا وإيابًا تارة بريحين ، وأخرى بريح واحدة ، وفي إنجاء أبيكم نوح عليه السلام ومن أراد الله من خلقه به وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض ، وفي غير ذلك من شؤونه ، وأموره وفنونه ، ونعمه وفتونه وإن كان أكثر ذلك قد صار مألوفًا لكم فجهلتم أنه من خوارق العادات ، ونواقض المطردات ، وعلم من ختام التي قبلها أن المراد - بقوله جامعًا لجميع الإيمان الذي هو نصفان: نصف صبر ، ونصف شكر ، وذلك تمام صفة المؤمن مظهرًا موضع لك أو لكم - ما أفاد الحكم بكل من شاركه ( صلى الله عليه وسلم ) في الوصفين المذكورين: ( لكل صبار( إدامة الفكر في هذه النعم واستحضارها في الشدة والرخاء ، وأنها من عند الله ، وأنه لا يقدر عليها سواه ، والإذعان له في جميع ذلك ، حفظًا لما دل عليه العقل من أخذ الميثاق بالشكر ، وأن لا يصرف الحق إلى غير أهله ، فيلزم عليه الإساءة إلى المحسن ) شكور ( عليه مبالغ في كل من الصبر والشكر ، وعلم من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من عظمة الله ما كان يعرفه في الشدة إلا من طبعهم الله على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه بحفظ العهد وترك النقض جريًا مع ما تدعو إليه الفطرة الأولى السليمة ، وقليل ما هم ، وقال الرازي في اللوامع: وكيفما كان فالصبر هو الثبات في مراكز العبودية ، والشكر رؤية النعمة من المنعم الحق وصرف نعمه إلى محابّه .
ولما كانوا يسارعون إلى الكفر بعد انفصالهم من هذه الآية العظمية ، وإلباسهم ههذ النعمة الجسيمة ، التي عرفتهم ما تضمنته الآية السالفة من حقيته وحده وعلوه وكبره وبطلان شركائهم ، أعرض عنهم وجه الخطاب لأنهم لم يرجعوا بعد الوضوح إيذانًا