فهرس الكتاب

الصفحة 3139 من 4996

صفحة رقم 37

والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين غيرهما ، فإذا انتفى إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال: ( لا يجزي ) أي يغني فيه ، ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم دائمًا إلا أنه سبحانه أقام في هذه الدار أسابًا ستر قدرته بها ، فصار الجاهل يحيل الأمر ويسنده إليها ، وأما هناك فتزول الأسباب ، وينجلي غمام الارتياب ، ويظهر اختصاص العظمة برب الأرباب .

ولما كانت شفقة الوالد - مع شمولها لجميع أيام حياته - أعظم فهو يؤثر حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل بنفسه الآلام والأموال بدأ به فقال: ( والد( كائنًا من كان ) عن ولده ) أي لا يوجد منه ولا يتجدد في وقت من الأوقات نوع من أنواع الجزاء وإن تحقق أن الولد منه ، والتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية إلى الشفقة على الولد ، وتجدد عنده العطف والرقة ، والمفعول إما محذوف لأنه أشد في النفي وآكد ، وإما مدلول عليه بما في الشق بعده .

ولما كان الولد لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد بلوغه ، أخره في عبارة دالة على ثبات السلب العام فقال: ( ولا مولود ) أي مولود كان ) هو جاز عن والده ( وإن علم أنه بعضه ) شيئًا ( من الجزاء ، وفي التعبير ب( هو ) إشعار بأن المنفي نفعه بنفسه ، ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا وجد الشرط ، وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدنًا لما لأبيه عليه من الحقوق ، والفعل يطلق على من ليس من شأنه الاتصاف بمأخذ اشتقاقه ، فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع عنه ، ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه ، وذلك كما أن الملك لو خاط صح أن يقول في تلك الحال: أنه يخيط ، ولا يصح ( خياط ) لأن ذلك ليس من صنعته ، ولا من شأنه .

ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول: هل هذا اليوم كائن حقًا ؟ أجيب هذا السؤال بقوله مؤكدًا لمكان إنكارهم ، لأفتًا القول إلى الاسم الأعظم لاقتضاء الوفاء له: ( إن وعد الله( الذي له جميع معاقد العز والجلال ) حق ( يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله ، وعظيم قدرته وكماله ، فكيف يجوز أن يقع في وهم فضلًا عن أوهامكم أن يخلفه مع أن أدناكم - أيها العرب كافة - لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار ، وعانى فيه الشدائد الكبار ، فلما ثبت أمره ، وكان حبهم لسجن هذا الكون المشهود ينسيهم ذلك اليوم ، لما جعل سبحانه في هذا الكون من المستلذات ، تسبب عنه قوله: ( فلا تغرنكم( مؤكدًا لعظم الخطب ) الحياة الدنيا ) أي بزخرفها ، ولا ما يبهج من لا تأمل له من فاني رونقها ، وكرر الفعل والتأكيد إشارة إلى أن ما لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت