فهرس الكتاب

الصفحة 3142 من 4996

صفحة رقم 40

وعجائب المقدور ، في الخيور والشرور ، مما لا يحيط به إلا مبدعه ، وغارزه في عباده وودعه ، ولكون الإنسان - مع أنه ألصق الأشياء وألزمه له - لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته ، عبر فيه بالدراية لأنها تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي - كما تقدم في سورة يوسف عليه السلام - أن مادة ( درى ) تدور على الدوران ، ومن لوازمه إعمال الحيلة وإمعان النظر ، فهي أخص من مطلق العلم فقال: ( وما تدري نفس ) أي من الأنفس البشرية وغيرها ) ما ( وأكد المعنى ب( ذا ) وتجريد الفعل فقال: ( ذا تكسب غدًا ) أي في المستقبل من خير أو شر بوجه من الوجوه ، وفي نفي علم ذلك من العبد مع كونه ألصق الأشياء به دليل ظاهر على نفي علم ما قبله عنه لأنه أخفى منه ، وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى ، فصار على طريق الحصر ، وعلم أيضًا أنه لا يسند إلى العبد الأعلى طريق الكسب لأنه لو كان مخلوقًا له لعلمه قطعًا ، فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه ، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا الوجه أيضًا .

)المفتاح الخامس (: مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي وطي سجل الأثر الشهودي ، وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران ، وعز وهوان ، وما للروح من الاتصال بالجسد والرتبة في العلو والسفول ، والصعود والنزول ، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر مما لا يعلم تفاصيله وجمله وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه .

ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق جميع ما يمكله لكي يعلمه ، عبر عنه عن الذي قبله فقال مؤكدًا بإعادة النافي والمسند: ( وما تدري ( وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال:( نفس ) أي من البشر وغيره ) بأيّ أرض تموت ( ولم يقل: بأي وقت ، لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين ، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد للموت ، فكان ذلك أدل دليل على جهلة بموضوع موته إذ علم به لبعد عنه ولم يقرب منه ، وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي( صلى الله عليه وسلم ) قال: ( مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم قرأ ) إن الله عنده علم الساعة ( الآية ) وله عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال: ( خمس لا يعلمهن إلا الله ) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ) آخر السورة ، فقد دل الحديث قطعًا على أن الآية فيما ينفرد سبحانه وتعالى بعلمه ، وقد رتبها سبحانه هذا الترتيب لما تقدم من الحكمة وعلم سر إيتانه بها تارة في جملة اسمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت