فهرس الكتاب

الصفحة 3155 من 4996

صفحة رقم 53

سلاسة ) أي من شيء مسلول ، أي منتزع منه ) من ماء مهين ) أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول ، فعيل بمعنى مفعول ، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله: ( ثم سواه ) أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني ) ونفخ فيه من روحه ( الروح ما يمتاز به الحي من الميت ، الإضافة للتشريف ، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله .

ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم ، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم وانتفاعهم ، لفت إليهم الخطاب قائلًا: ( وجعل ) أي بما ركب في البدن من الأسباب ) لكم السمع ) أي تدركون به المعاني المصوته ، ووحده لقلة التفاوت فيه إذا كان سالمًا ) والأبصار ( تدركون بها المعاني والأعيان القابلة ، ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة ، وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر .

ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور ، وأما العقل فإنما يحصل بالتدريج فلذا أخر محله فقال: ( والأفئدة ) أي المضغ الحارة المتوقدة المحترفة ، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أيّ تباين ؟ قال الرازي في اللوامع: جعله - أي الإنسان - مركبًا من روحاني وجسماني ، وعلوي وسفلي ، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده ، واستجمع الكونين يعقله وحسه ، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيًا قوليًا ، وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر تسليمًا اختياريًا طوعيًا .

ولما لم يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال: ( قليلًا ما تشكرون ) أي وكثيرًا ما تكفرون .

ولما كانوا قد قالوا: محمد ليس برسول ، والإله ليس بواحد ، والبعث ليس بممكن ، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب ، ثم على الوحداينة بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم ، وختم بالتعجيب من كفرهم ، وكان استبعادهم للبعث - الذي هو الأصل الثالث - من أعظم كفرهم ، قال معجبًا منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله: ( أم يقولون افتراه ( ، لافتًا عنهم الخطاب إيذانًا بالغضب من قولهم: ( وقالوا ( منكرين لما ركز في الفطر الأُوَل ، ونبهت عليه الرسل ، فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة:( أإذا ) أي أنبعث إذا ) ضللنا ) أي ذهبنا وبطلنا وغبنا ) في الأرض ( بصيرورتنا ترابًا مثل ترابها ، لا يتميز بعضه من بعض: قال أبو حيان تبعًا للبغوي والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم: وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب .

ثم كرروا الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا: ( إنا لفي خلق جديد ( هو محيط بنا ونحن مظروفون له .

ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة ، وكانوا يقرون بما يازمهم منه الإقرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت