صفحة رقم 61
الكثرة والنعمة ، فأذاقهم الجدب سنين متوالية ، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه ؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله ، معبرًا بما يصلح للغيرية والسفول: ( دون العذاب الأكبر ) أي الذي مر ذكره في الآخرة ) لعلهم برجمون ) أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينتظره ، وقد كان ذلك ، رجع كثير منهم خوفًا من السيف ، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حبًا .
السجدة: ( 22 - 24 ) ومن أظلم ممن. .. . .
)وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (( )
ولما كان التقدير: يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون ، عطف عليه قوله: ( ومن أظلم ( منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال:( ممن ذكر ) أي من أيّ مذكر كان وصف القول إلى صفة الإحسان استعطافًا وتنبيهًا على وجوب الشكر فقال: ( بآيات ربه ) أي الذي لا نعمة إلا منه .
ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات ، فكان الإعراض عنها مستبعدًا بعده ، عبر عنه بإداة البعد لذلك فقال: ( ثم أعرض عنها ( ضد ما عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجدًا ، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون( ثم ) على بابها للتراخي ، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما ، فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين ، ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعم النسيان ، فهي أبلغ من التعبير بالفاء كما في سورة الكهف ، ويكون عدل إلى الفاء هنلك شرحًا لما يكون من حالهم ، عند بيان سؤالهم ، الذي جعلوا بأنه آية الصدق ، والعجز عن آية الكذب .
ولما كان الحال مقتضيًا للسؤال عن جزائهم ، وكان قد فرد الضمير باعتبار لفظ ( من ) تنبيهًا على قباحة الظلم من كل فرد ، قال جامعًا لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى ، مؤكدًا لإن إقدامهم على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه ، صارفًا وجه الكلام عن صفة الإحسان إيذانًا بالغضب: ( إنا ( منهم ، هكذا كان الأصلي ، ولكنه أظهر الوصف نصفًا في التعميم وتعليقًا للحكم به معينًا لنوع ظلمهم تبشيعًا له فقال:( من المجرمين ) أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة ) منتقمون (