صفحة رقم 155
الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَآءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) 73
ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم ) لا تأتينا الساعة ( المتضمن لتكذيبهم ، وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيرًا أن سبب تكذيب الكفرة الجهل الذي سببه الكبر ، عجب منهم تعجيبًا آخر أشد من الأول لتصريحهم بالتكذيب على وجه عجيب فقال:( وقال الذين كفروا ) أي الذين تحققوا أمره ( صلى الله عليه وسلم ) وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد ، لمن يرد عليهم ممن لا يعرف حقيقة حاله معجبين ومنفرين: ( عل ندلكم ) أي أيها المعتقدون أن لا حشر .
ولما أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه أشهر الأسماء ، بل قالوا: ( على رجل ) أي ليس هو صبيًا ولا امرأة حتى تعذوره ) ينبئكم ) أي يخبركم متى شئتم أخبارًا لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نعقله مجددًا لذلك متى شاء المستخبر له .
ولما كان القصد ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث ، قدموا المعمول فقالوا: ( إذا ) أي إنكم إذا ) مزقتم ) أي قطعتم وفرقتم بعد موتكم من كل من شأنه أن يمزق من التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقًا عظينًا ، بحيث صرتم ترابًا ، وذلك معنى ) كل ممزق ) أي كل تمزيق ، فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء ، بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض ، وذهبت به السيول كل مذهب ، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعدًا بعضه عن بعض ، وكسر معمول ( ينبئكم ) لأجل اللام فقال: ( إنكم لفي ) أي لتقومون كما كنتم قبل الموت قيامًا لا شك فيه ، والإخبار يه مستحق لغاية التأكيد ) خلق جديد ( وهذا عامل إذا الظرفية .
ولما نفروا عنه بهذا الإخبار المحير في الحامل له عليه ، خيلوا بتقسيم القول فيه في استفهام مردد بين الاستعجام تعجيبًا والإنكار ، فقالوا جوابًا لمن سأل عن سبب إخباره بإسقاط همزة الوصل ، لعدم الإلباس هنا بخلاف ما يصحب لام التعريف فإنها لفتحها تلبس بالخبر: ( افترى ) أي تعمد ) على الله ) أي الذي لا أعظم منه ) كذبًا ( بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل يصح منه القصد .
ولما كان يلزم من التعمد العقل ، قالوا: ( أم به جنة ) أي جنون ، فهو يقول الكذب ، وهو ما لا حقيقة له من غير تعمد ، لأنه ليس من أهل القصد ، فالآية من الاحتباك: ذكر الافتراء أولًا يدل على ضده ثانيًا ، وذكر الجنون ثانيًا يدل على ذكر ضده أولًا .