فهرس الكتاب

الصفحة 3280 من 4996

صفحة رقم 178

ولما كان من المعلوم أنهم مقرّون بأن ذلك لله وحده كما تقدم التصريح به غير مرة ، وكان من المحقق أن إقرارهم بذلك ملزم لهم الإخلاص في العبادة عند كل من له أدنى مسكة من عقله ، أشار إلى ذلك بالإشارة بأمره ( صلى الله عليه وسلم ) بالإجابة إلى أنهم كالمنكرين لهذا ، لأن إقرارهم به لم ينفعهم فقال: ( قل الله ) أي الملك الأعلى وحده ، وأمره بعد إقامة هذا الدليل البين بأن يتبعه ما هو أشد عليهم من وقع النبل بطريق لا أنصف منه ، ولا يستطيع أحد أن يصوب إليه نوع طعن بأن يقول مؤكدًا تنبيهًا على وجوب إنعام النظر في تمييز المحق من المبطل بالانخلاع من الهوى ، فإن الأمر في غاية الخطر: ( وإنا ) أي أهل التوحيد في العبادة لمن تفرد بالرزق ) أو إياكم ) أي أهل الإشراك به من لا يملك شيئًا من الأشياء و ( أو ) على بأنها لا بمعنى الواو ، أي إن أحد فريقينا على إحدى الحالتين مبهمة غير معنية فهو على خطر عظيم لكونه في شك من أمره غير مقطوع له بالهدى ، فانظروا بعقولكم في تعيينه هل هو الذي عرف الحق لأهله أو الذي بذل الحق لغير أهله ، قال ابن الجوزي: وهذا كما تقول للرجال تكذبه: والله إن أحدنا لكاذب ، وأنت تعينه تكذيبًا غير مكشوف ويقول الرجل: والله لقد قدم فلان ، فيقول له من يعلم كذبه: قل إن شاء الله ، فكذبه بأحسن من تصريح التكذيب ، يعني ولا سيما بعد إقامة الدليل على المراد ثم مثل المهتدين بمن هو على متن جواد يوجهه حيث شاء من الجواد بقوله: ( لعلى هدى ) أي في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه ناظرين لكل ما يمكن أن يعرض فيه مما قد يجر إلى ضلال فتنكبه ) أو في ضلال ) أي عن الحق في الإعتقاد المناسب فيه منغمسين فيه وهو محيط بالمبتلى به لا يتمكن معه من وجه صواب: ( مبين ) أي واضح في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال إلا من كان منغمسًا فيه مظروفًا له ، فإنه لا يحس بنفسه وما بينه وبين أن يستبصر إلا أن يخرج منه وقتًا ما فيعلم أنه كان في حاله ذلك فاعلًا ما لا يفعله من له نوع من العقل ، ففي هذا حث على النظر الذي كانوا يأبونه بقوله: ( قلوبنا في أكنة ) [ فصلت: 5 ] ونحوه في الأدلة التي يتميز بها الحق من الباطل على أحسن وجه بأنصف دعاء وألطف نداء حيث شرك الداعي نفسه معهم فيما دعاهم إلى النظر فيه ، فالمعنى أنه يتعين على كل منا - إذا كان على إحدى الطريقين مبهمة - أن ينظر في أمر ليسلم فإن الأمر في غاية الوضوح مع أن الضال في نهاية الخطر ، ولقد كان الفضلاء من الصحابة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، وناهيك بهما جلالًا ، ونباهة وذكاء وكمالًا ، قالوا: والله كنا نعجب غاية العجب ممن يدخل في الإسلام واليوم نحن نعجب غاية العجب ممن يتوقف عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت