صفحة رقم 221
ولعله عبر عنها بذلك دون طرق إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الزمان كما هو العادة في غالب ما يتقادم عهده ، والجد بالفتح ، والجدة بالكشر ، والجدد بالتحريك: وجه الأرض ، وجمعه جدد بالكشر ، والجدة بالضم: الطريقة والعلامة والخط في ظهر الحمار يخالف لونه وجمعه جدد كغدة البعير ، والأرض الغليظة المستوية ، والجدجد بالفتح: الأرض المستوية .
ولما كان أبلغ من ذلك أن تلك الطرق في أنفسها غير متساوية المواضع في ذلك اللون الذي تلونت به ، قال تعالى دالًا على أن كلًا من هذين اللونين لم يبلغ الغاية في الخلوص: ( مختلف ألوانها( وهي من الأرض وهي واحدة .
ولما قدم إلى الغبرة التي هي أصل لونها .
ولما كانت مادة )غرب ( تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذًا من غروب الشمس ، ويلزم منه السواد ، ولذلك يؤكد الأسود بغربيب مبالغة الغرب كفرح أي الأسود للمبالغة في سواده ، وكان المقصود الوصف بغاية السواد مخالفة لغيره ، قال تعالى عاطفًا على بيض:( وغرابيب ) أي من الجدد أيضًا ) سود ( فقدم التأكيد لدلالة السياق على أن أصل العبارة( وسود غرابيب سود ) فأضمر الأول ليتقدم على المؤكد لأنه تابع ، ودل عليه بالثاني ليكون مبالغًا في تأكيده غاية المبالغة بالإظهار بعد الإضمار ، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: أشد سواد الغرابيب - رواه عنه البخاري ، لأن السواد الخالص في الأرض ، مستغرب ، ومنه ما يصبغ به الثياب ليس معه غيره ، فتصير في غاية السواد ، وذلك في مدينة فوة ومسير وغيرهما مما داناهما من بلاد مصر .
ولما أكد هذا بما دل على خلوصه ، قدم ذكر الاختلاف عليه ، ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى آخر بعيد من الماء ، وأتبعه التراب الصرف ، ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من التراب فقال: ( ومن الناس ) أي المتحركين بالفعل والاختيار ) والدواب ( ولما كانت الدابة في الأصل لما دب على الأرض ، ثم غلب إطلاقه على ما يركب قال: ( والأنعام( ليعم الكل صريحًا ) مختلف ألونه ) أي ألوان ذلك البعض الذي أفهمته ( من ) ) كذلك ) أي مثل الثمار والأراضي فمنه ما هو ذو لون واحد ، ومنه ما هو ذو ألوان مع أن كل ما ذكر فهو من الأراضي متجانس الأعيان مختلف الأوصاف ، ونسبته إليها وإلى السماء واحدة فأين حكم الطبائع .