فهرس الكتاب
صفحة رقم 265
لما كان قد أنجى سبحانه آباءنا حين حمله في ذلك الماء الذي لم يكن مثله قط ، وكان ربما ظن أن الإنجاء لسر من الأسرار غير إرادته ، جعل أمر ما خلق من مثله تارة وتارة ليعرف أن ذلك هو بصنعه فتشكر نعمته أولًا وآخرًا فقال: ( وإن نشأ ) أي لأجل ما لنا من القوة الشاملة ) نغرقهم ) أي مع أن هذا الماء الذي يركبونه لا يعشر ذلك الذي حملنا فيه آباءهم ) فلا صريخ لهم ) أي مغيث ينجيهم مما نريد بهم من الغرق ) ولا هم ) أي بأنفسهم من غير صريخ ) ينقذون ) أي يكون لهم إنقاذ أي خلاص بأنفسهم أو غيرها .
ولما كان هو سبحانه يصرخ من يشاء فينجيه وكانت ( كانت ) نافية نفيًا مستغرقًا ، استثنى ما كان منه سبحانه فقال: ( إلا رحمة ) أي إلا نحن فننقذهم إن شئنا رحمة ) منا ) أي لهم ، لا وجوبًا علينا ، ولا لمنفعة تعود منهم إلينا ) ومتاعًا ) أي لهم ) إلى حين ) أي وهو حين انقضاء آجالهم .
ولما كان هذا الحال معلومًا لهم لا ينازعون فيه رجوعه ، بل إذا وقعوا فيه أخلصوا الدعاء وأمروا به وخلعوا الأنداد ، وكان علم ذلك موجبًا لصاحبه أن لا يغفل عن القادر عليه وقتًا ما ، بل لا يفتر عن شكره خوفًا من مكره ، وكان العاقل إذا ذكر بأمر فعلمه يقينًا كان جديرًا بأن يقبله ، فإذا لم يقبله وخوف عاقبته بأمر محتمل جد في الاحتراز منه ، عجب منهم في إعراضهم عنه سبحانه مع قيام الأدلة القاطعة على وحدانيته وأنه قادر على ما يريد من عذاب وثواب ، وإقبالهم على ما لا ينفعهم بوجه ، فقال: ( وإذا قيل ) أي من أي قائل كان ) لهم اتقوا ) أي خافوا خوفًا عظيمًا تعالجون فيه أنفسكم ) ما بين أيديكم ) أي بما يمكن أن تقعوا فيه من العثرات المهلكة في الدارين ) وما خلفكم ) أي ما فرطتم فيه ولم تجاروا به ولا بد من المحاسبة عليه لأن الله الذي خلقكم أحكم الحاكمين ) لعلكم ترحمون ) أي تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام .
يس: ( 46 - 51 ) وما تأتيهم من. .. . .
)وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (( )
ولما كان التقدير: أعرضوا لأن الإعراض قد صار لهم خلقًا لا يقدرون على الانفكاك من أسره ، عطف عليه قوله إشارة إليه: ( وما تأتيهم ( وعمم بقوله: ( من آية (