فهرس الكتاب

الصفحة 3374 من 4996

صفحة رقم 272

مقول هو ، والسلام يجمع جميع النعم ، ثم بين هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله: ( قولًا من رب ) أي دائم الإحسان ) رحيم ) أي عظيم الإكرام بما ترضاه الألهية ، كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا ، فيرحمهم في حال السلام وسماع الكلام بلذة الرؤية مع التقوية عن الدهش والصعق لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه ، وقد أوضح هذا السياق أنه من الله تعالى بلا واسطة ، فإنه أكده بالقول وحرف الابتداء ، وذكر صفات الإحسان كما قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: ولا ارتياب في أنه لا شيء يعدل هذا في النعيم وقرة العين والشرف وعلو القدر ، ولا شك أن هذا هو المقصود بالحقيقة ، فهو قلب النعيم في ذلك اليوم الذي هو قلب الوجود حقًا خفاء وصلاحًا وفسادًا ، فصح أن هذه الآية قلب قلب هذه السورة كما كانت هذه السورة قلب القرآن ، وقد ورد حديث في تفسير البغوي وكتاب المائتين للأستاذ أبي عثمان الصابوني أنه من الله تعالى بلا واسطة عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم با أهل الحنة ، وذلك قوله تعالى ) سلام قولًا من رب رحيم ( فينظر إليهم وينظرون إليه ، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته في ديارهم ) .

قال الاستاذ أبو عثمان: هذا حديث غريب الإسناد والمتن لا أعلم إني كتبته إلا من هذا الوجه .

ولما كان التقدير: فانظروا وازدادوا حسرة أيها المجرمون ، عطف عليه قوله: ( وامتازوا ) أي انفردوا انفرادًا هو بغاية القصد ، وجرى على النمط الماضي من زيادة التهويل لذلك الموقف بإعادة قوله: ( اليوم ) أي عن عبادي الصالحين أو عمن بقي منهم معكم في الموقف ليظهروا من أوضارهم ، ويشفوا من مضارهم ، لأن غيبة الرقيب أتم النعيم ، وإبعاد العدو أعلى السرور ، وحذف أداة النداء لا لقرب الكرامة بل للدلالة على أنهم في القبضة لا مانع من غاية التصرف فيهم لكل ما يراد لأنه لا حائل دونهم ) أيها المجرمون ) أي العريقون في الإجرام ، فلا يقع في أوهامكم أنكم تخالطونهم اليوم أصلًا ، وهذا ما كنتم تمتازون عنهم في الدنيا وتقاطعونهم ترفعًا واستكبارًا ، فهذا قوله للمجرمين وذلك قوله للمؤمنين ، فصح أنه قلب لأنه به صلاح بعض المكلفين وفساد الآخرين الذي هو تمام صلاح الأولين ، وقد تقدم في أوائل سورة الروم منام ينفع استحضاره هنا .

ولما أمرهم بالامتياز أمرًا إدرايًا حكيمًا ، فامتازوا في الحال ، وأسروا الندامة وسقط في أيديهم فعضوا الأنامل ، وصروا بالأسنان ، وشخصت منهم الأبصار ، وكلحت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت