فهرس الكتاب
صفحة رقم 275
يَكْسِبُونَ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُواْ مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) 73
ولما كان كأنه قبل: هل يحكم فبهم بعلمه أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا في العمل بالبينة ، بين أنه على أظهر من قواعد الدنيا ، فقال مهولًا لليوم على النسق الماضي في مظهر العظمة لأنه أيق بالتهويل: ( اليوم نختم ) أي بما لنا من عجيب القدرة المنشعبة من العظمة ، ولفت القول إلى الغيبة إيذانًا بالإعراض لتناهي الغضب فقال: ( على أفواههم ) أي لاجترائهم على الكذب في الأخرى كما كان ديدنهم في الدنيا ، وكان الروغان والكذب والفساد إنما يكون باللسان المعرب عن القلب ، وأما بقية الجوارح فمهما خرق العادة بإقدارها على الكلام لم تنطق إلا بالحق فلذلك قال: ( وتكلمنا أيديهم ) أي بما عملوا إقرارًا عو أعظم شهادة ) وتشهد أرجلهم ) أي عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار ) بما كانوا ) أي في الدنيا بجبلاتهم ) يكسبون( فالآية من الاحتباك: أثبت الكلام للأيدي أولًا لأنها كانت مباشرة دليلًا على حذفه من حيز الأرجل ثانيا ، وأثبت الشهادة للأرجل ثانيًا لأنها كانت حاضرة دليلًا على حذفها من حيز الأرجل أولًا ، وبقرينه أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة ، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: يقول العبد: يا رب ألم تجرني من الظلم ، قال: فيقول: بلى ، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني ، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا ، وبالكرام الكاتبين شهودًا ، فيختم على فيه ويقال لأركانه: انطقي ، فتنطق بأعماله ، ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل .
وبالظاهر أن السر في الختم على فيه منعه من أن يلغط حال شهادتها عليه لئلا يسمع قولها ، وكما هو دأب أهل العناد عند الخصام .
ولما أتم بضرب المثل وما بعده الدلالة على مضمون )إنما تنذر من اتبع الذكر ( وما عللت به من إحياء الموتى ، ودل على ذلك بما تركه كالشمس ليس فيه لبس ، وزاد من بحو الفوائد وجميل العوائد ما ملأ الأكوان من موجبات الإيمان ، وذكر ما في فريقي المتبعين والممتنعين يوم البعث ، وختم بالحتم على الأفواه بعد البعث ، أتبعه آية الختم بالطمس والمسخ قبل الموت تهديدًا عطفًا على ما رجع إليه المعنى مما