فهرس الكتاب

الصفحة 3379 من 4996

صفحة رقم 277

بنوع تغيير هذا المراد إن شاء الله ، ولو قيل: ولا رجوعًا - كما قال بعضهم إنه المراد ، لم يفد هذا المعنى النفيس .

ولما كانت هذه أمورًا فرضية يتأتى لبعض المعاندين اللد الطعن فيها مكابرة ، وكان كونه ( صلى الله عليه وسلم ) نبي الرحمة مانعًا من المفأجاة بالتعذيب بعذاب الاستئصال بها ، دل عليها بما يشاهدونه من باهر قدرته وغريب حكمته في صنعته ، فقال دالًا بالعاطف على غير معطوف عليه ظاهر على أن التقدير: فقد خلقناهم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم أولدناهم لا يعلمون شيئًا ولا يقدرون على شيء ، ثم درجناهم في أطوار الأسنان معلين لهم في البشرية - فأوقفنا قواهم الظاهرة والباطنة ، فلم نجر العادة بأن نحدث فيهم إذ ذاك قوة لم تكن أيام الشباب: ( ومن نعمره ) أي نطل عمره إطالة كبيرة منهم بعد ذلك ) ننكسه ( وقراءة عاصم وحمزة بضم أوله وفتح ثانيه وكسر الكاف مشددة دالة على تفاوت الناس في النكس ، ولم يقل( في خلقه ) لئلا يظن أن المراد أن المعمر له خلق أنشأه وأبدعه ) في الخلق ) أي فيما أبدعناه من تقدير بدنه وروحه أي نرده على عقبه نازلًا في المدارج التي أصعدناه فيها فلا يعلم شيئًا ، ومن قدر على مثل هذا التحويل من حالة إلى أخرى لم تكن طردًا وعكسًا قدر على مثل ما مضى من التحويل بلا فرق ، غير أنهم لكثرة إلفهم لذلك صيره عندهم هنيًا ، ولقلة وجود الأول صيره عندهم بعيدًا ، ولذلك سبب عن الكلام قوله: على الأسلوب الماضي في قراءة الجماعة ولفتًا إلى الخطاب عند المدنيين ويعقوب لأنه أقرب إلى الاستعطاف وإعلامًا بأن الواعظ عام لكل صالح للخطاب: ( أفلا يعقلون( وقال بعض العارفين: قيد بالخلق احترازًا عن الأمر ، فإن المؤتمر كلما زاد سنًّا ازداد لربه طاعة وبه علمًا ، يعني أن النكس في البدن أمر لا بد منه ، وأما في المعارف فتارة تارة .

ولما أتم سبحانه الدليل على آية )لقد حق القول على أكثرهم ( بأن التكذيب بالأصلين التوحيد والحشر ، وبينهما غاية البيان ، رجع إلى تثبيت الأصل الثالث وهو أمر الرسول والتنزيل ، ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلم يزد فيه غريزة ، ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء ، أما المعاني الحسية فمطلقًا ، وأما المعنوية فلا تزيد إلا بالتجربة والكسب ، ولذلك قالوا:

إذا المرء أعيته المروءة ناشئًا فمطلبها كهلًا عليه شديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت