صفحة رقم 286
بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) 73
ولما كان موطنًا يتشوف فيه السامع لهذا الكلام إلى جوابه ، استأنف قوله مخاطبًا من لا يفهم هذه المجادلة حق فهمها غيره: ( قل ) أي لهذا الذي ضرب هذا المثل جهلًا منه في قياسه من يقدر على كل شيء على من لا يقدر على شيء ، وأعاد فعل الإحياء نصًا على المراد دفعًا للتعنت ودلالة على الاهتمام فقال: ( يحييها ) أي من بعد أن بليت ثاني مرة ، ولفت القول إلى وصف يدل على الحكم فقال: ( الذي أنشأها ) أي من العدم ثم أحياها ) أول مرة ) أي فإن كل من قدر على إيجاد شيء أول مرة فهو قادر على إعادته ثاني مرة ، وهي شاهدة بأن الحياة تحل العظم فيتنجس بالموت مما يحكم بنجاسة ميتته ) وهو بكل خلق ) أي صنع وتقدير ممكن أن يخلق من ذلك ومن غيره ابتداء وإعادة ) عليم ) أي بالغ العلم ، فلا يخفى عليه أجراء ميت أصلًا وإن تفرقت في البر والبحر ، ولا شيء غير ذلك ، فالآية من بديع الاحتباك: الإحياء أولًا دال على مثله ثانيًا ، والإنشاء ثانيًا دال على مثله أولًا ، و ) أول مرة ( في الثاني دال على( ثاني مرة ) في الأول ، فهو على كل شيء قدير كما برهن عليه في سورة طه ، فهو يوجد المقتضيات لكل ممكن يريده ، ويرفع الموانع فيوجد في الحال من غير تخلف أصلًا ، فقد بلغ هذا البيان في الدلالة على البعث الجسماني والروحاني معًا النهاية التي ليش وراءها بيان ، بعد أن وطأ له في هذه السورة نفسها بما لا يحتمل طعنًا بقوله: ( فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون( ) من بعثنا من مرقدنا ( ) فإذا هم جميع لدينا محضرون ( ) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون ( ) وامتازوا اليوم أيها المجرمون ( ) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ( ) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ( .
ولما كان مآل هذا المثل الذي علق الإنكار فيه بالرميم استبعاد تمييز الشيء - إذا صار ترابًا واختلط بالتراب - عن غيره من التراب ، وصف نفسه المقدس بإخراج الشيء الذي هو أخفى ما يكون من ضده ، وذلك بتمييز النار من الخشب الذي فيه الماء ظاهر بأيدي العجزة من خلقه ، فقال معيدًا للوصول تنبيهًا على التذكير بالموصوف ليستحضر ما له من صفات الكمال فيبادر إلى الخضوع له من كان حيًا: ( الذي جعل لكم ) أي متاعًا واستبصارًا ) من الشجر الأخضر ( الذي تشاهدون فيه الماء ) نارًا ( بأن يأخذ أحدكم غصنين كالسواكين وهما أخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر - على العفار - وهو أنثى - فتخرج النار قال أبو حيان: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: