فهرس الكتاب
صفحة رقم 311
ولما كان أول ما يختار في الشراب لونه ثم طعمه ، قال واصفًا ما في الكأس من الخمر استخدامًا: ( بيضاء ) أي مشرقة صافية هي في غاية اللطافة تتلألأ نورًا ، وأعرق في وصفها بالطيب بجعلها تفسيرًا للمعنى في قوله: ( لذة للشاربين ( بما كانوا يتجرعون من كأسات الأحزان والأنكاد ، واظهر موضع الإضمار تعميمًا وتعليقًا للحكم بالوصف ، وجمع إشارة إلى أنهم لا يعلونها إلا كذلك بما فيه من مزيد اللذة .
ولما كان قد أثبت لها الكمال ، نفى عنها النقص فقال: ( لا فيها غول ) أي فساد من تصديع رأس أو إرخاء مفصل أو إخماء كبد أو غير ذلك مما يغتال أي يهلك ، أو يكون سببًا للهلاك ) ولا هم عنها ) أي عادة بعد شربها ) ينزفون ) أي يذهب شيء من عقولهم وإن طال شربهم وكثر لئلا ينقص نعيمهم ولا ينفذ شرابهم أو ما عندهم من الجدة لكل ما يسر به - على قراءة حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف - مبينًا للفاعل مثل أقل وأعسر - إذا صار قليل المال ، أو ذهب عقله ، وقراءة الجماعة بالبناء للمفعول يحتمل أن تكون من نزف ، وحينئذ يحتمل أن تكون من نفاذ الشراب من قولهم: نزفت الركية ، اي ذهب ماؤها ، وحينئذ يحتمل أن تكون من ذهاب العقل من أنزف الرجل - إذا ذهب عقله بالسكر ، وأن تكون من عدم الشراب من قولهم: نزف الرجل الخمرة - سواء كان مبينًا للفاعل أو المفعول - إذا أفناها .
ولما كان كله لا يكمل إلا بالجماع ، والخمر أدعى شيء إليه ، وهو لا يكمل النعيم به إلا بالاختصاص قال: ( وعندهم( نساء من أهل الدنيا وغيرها ) قاصرات الطرف ) أي لا تطرف واحدة منهن إلى غير زوجها ولا يدعه تناهي حسنها وفرط جمالها طرفها يطرف إلى غيرها ) عين ) أي نجل العيون ، جمع عيناء ، كسرت عينه لمناسبة الياء .
ولما كان أحسن الألوان لا سيما عند العرب الأبيض الأحمر المشرب صفرة أكتسبته صفاء وإشراقًا وبهاء ، قال: ( كأنهن بيض ) أي بيض نعام ) مكنون ) أي مصون من دنس يلحقه ، وغبار يرهقه ، ولمحبة العرب لهذا اللون كانت تقول عن النساء بيضات الخدور لأنه لونه أبيض مشربًا صفرة صافية ، وقد صرح امرؤ القيس بهذا في لاميته المشهورة فقال:
كبكر مقناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل
أي مخالطة البياض المائل إلى الحمرة بصفرة ، وهو أصفى الألوان واعدلها ، يشابه لون نور القمر .