فهرس الكتاب
صفحة رقم 318
الماء بين الأرض والسماء ، فقال تعالى مؤكدًا لما تقدم من انه دعا إلى التأكيد من أن مكثه في قومه المدة الطويلة مبعد لأن يكونوا وافقوه ومالوا معه وتابعوه ، ولأن فعل العرب في التكذيب مع ترادف المعجزات وتواتر العظات عمل من هو مكذب بوقوع النصرة للمرسلين ، والعذاب للمكذبين ، عطفًا على تقديره: فقاسى الرسل من الشدائد ما لا تسعه الأوراق ، وجاهدوهم بأنفسهم والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم: ( ولقد نادانا( لما لنا من العظمة ) نوح ( بقوله ) ) رب إني مغلوب فانتصر ( ) [ القمر: 10 ] ونحوه مما أخبر الله عنه به بعد أمور عظيمة لقيها منهم من الكروب ، والشدائد والخطوب ، لنكشف عنه ما اعياه من أمرهم .
ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة وتطويلها ، وكان قد تسبب عن دعائه إجابته ، قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة إلى القسم والأداة الجامعة لكل مدح وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا يكاد يصدق ، فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير وشدة اعتناء ، فكانت الإجابة إجابة من يفعل ذلك وإن كانت الإفعال بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء ، لا تحتاج إلى غير مطلق الإرادة: ( فلنعم المجيبون ) أي كنا بما لنا من العظمة له ولغيره ممن كان نعم المجيب لنا ، هذه صفتنا لا تغير لها .
الصافات: ( 76 - 82 ) ونجيناه وأهله من. .. . .
)وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (( )
ولما كان معنى هذا: فأجبناه إجابة هي النهاية في استحقاق على الممادح من إيصاله إلى مراده من حمله وحمل من آمن به والانتقام ممن كذبه كما هي عادتنا دائمًا ، عطف عليه قوله: ( ونجيناه ) أي بما لنا من العظمة ) وأهله ) أي الذين وافقوه في الدين ) من كرب العظيم ( وهو الأذى من الغرق ) وجعلنا ذريته هم ) أي خاصة ) الباقين ( لأن جميع أهل الأرض غرقوا فلم يبق منهم أحد أصلًا ، وأهل السفينة لم يعقب منهم أحد غير أولاده ، فأثبناه على نزاهته إن كان هو الأب الثاني ، فالعرب والعجم أولاد سام ، والسودان أولاد حام ، والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج اولاد يافث ، فكل من تبع سنته في الخير كان له مثل أجره .
ولما ذكر لأنه بارك في نسله ، أعلم أنه أدام ذكره بالخير في أهله فقال: ( وتركنا عليه ) أي ثناء حسنًا ، لكنه حذف المفعول وجعله لازمًا ، فصار المعنى: أوقعنا عليه