فهرس الكتاب

الصفحة 3428 من 4996

صفحة رقم 326

من آيتنا ( فهذا هو الفناء حتى عن الفناء ، ثم قال: ( أنه هو السميع البصير ( فأثبت له مع ذلك الكمال .

ولما لم يجد له معينًا على الهجرة غير لوط ابن أخيه عليهما السلام ، قال مناديًا منادة الخواض بإسقاط الأداة: ( رب ) أي أيها المحسن إلي ) هب لي من ) أي ولدًا من ) الصالحين ( وأسقط الموصوف لأن لفظ الهبة غلب في الولد ، فتسبب عن دعوته أنا استجبناها له ) فبشرناه بغلام ) أي بذكر في غاية القوة التي ينشأ عنها الغلمة .

ولما كان هذا الوصف ربما أفهم الطيش ، وصفه بما أبقى صفاءه ونفى كدره فقال: ( حليم ) أي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة ، لأنه في غاية الرزانة والثبات ، فيكون ذلك إشارة إلى حصول بلاء ما يتبين به أنه سر أبيه أن إبراهيم لحليم ، والحلم لا يكون إلا بعد العلم ، ورسوخ العلم سبب لوجود الحلم ، وهو اتساع الصدر لمساوئ الخلق ومدانئ أخلاقهم ، وهذا الولد هو إسماعيل عليه السلام بلا شك لوجوده: منها وصفه بالحليم ، ووصف إسحاق عيله السلام في سورة الحجر بالعليم ، ومنها أن هذا الدعاء عند الهجرة حيث كان شابًا يرجو الولد ، وهو بكره الذي ولد له بهذه البشرى ، وهو الذي كان بمكة موضع الذبح ، فجعلت أفعاله في ذبحه مناسك للحج في منى كما جعلت أفعال أمه في مكة المشرفة أول أمره عندما أشرف على الموت من العطش مناسك ومعالم هناك ، وأما إسحاق عليه السلام فأتته البشرى فجأة وهو لا يرجو الولد لكبره ويأس أمرأته ، ولذلك راجع في أمره ولم ينقل أنه فارق أمه من بيت المقدس ، ولو كان هو الذبيح لذكره النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بوصفه حين سئل عن الأكرم فقال ( يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله خليل الله ) والرواية التي وردت بالإشارة إلى أنه الذبيح ضعيفة ، بل صرح شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأن في سندها وضاعًا ، ولأن هذه السورة سورة التنزيه ، فأحق الناس بالذكر فيها - كما سلف - أعرق الناس في قدم التجريد ، وهو أولى الناس بذلك من حين كان حملًا إلى أن عولج ذبحه ، ولم يذكر ظاهرًا ، فلو لم يكن المراد بهذا الكلام لكان ترك في هذه السورة - التي حالها هذا - من هو أرسخ الناس في الوصف المقصود بها ، وذلك خارج عن نهج البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال ، بل هذا الحال لا يقتضي ذكر إسحاق عليه السلام ، لأنه لم يعلم له تجرد متفق عليه ، وما كان ذكره إلا لبيان إبراهيم عليه السلام لما اقتضاه مقامه في الاجسان في باب التجريد والفناء - والله الموفق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت