فهرس الكتاب
صفحة رقم 328
ولما علم طاعته ، تشوف السامع إلى استسلامه وصبره ، فاستأنف قوله: ( ستجدني ) أي بوعد جازم لا تردد فيه صادق كما أخبر الله تعالى عنه ، لا خلف فيه ، وكان صادق الوعد .
ولما كان من أخلاق الكمل عدم القطع في المستقبلات لما يعلمون من قدرة الله تعالى على نقض العزائم بالحيلولة بين المرء وقبله قال: ( إن شاء الله ) أي الذي اختص بالإحاطة بصفات الكمال ؛ وأكد وعده بهذا الأمر الذي لا يكاد يصدق مثله بقوله: ( من الصابرين ) أي العريقين في الصبر البالغين فيه حد النهاية ، وهو من أعظم ما أريد بقوله
77 ( ) وكان صادق الوعد ( ) 7
[ مريم: 54 ] .
ولو بيد الحبيب سقيت سمًا لكان السم من يده يطيب
وجعل هذا الأمر العظيم في المنام دلالة على صدق أحوال الأنبياء نومًا ويقظة ، وصدق عزائمهم وانقيادهم لجميع الأوامر في جميع الأحوال ، وروي أن الشيطان وسوس له في ذبحه فعرفه فرماه بسبع حصيات فصار ذلك شريعة في الجمار ، ومن ألطف ما في ذلك أنهم لما كانوا في نهاية التجرد عن علائق الشواغل جعلت أفعالهم شعائر وشرائع لعبادة الحج التي روحها التجرد للوفود إلى الله تعالى .
ولما وثق منه ، بادر إلى ما أمر به ، ودل على قرب زمنه من زمن هذا القول بالفاء فقال: ( فلما أسلما ) أي ألقيا بالفعل على غاية الإخلاص حين المباشرة بجميع قواهما في يد الأمر ، ولم يكن عند أحد منهما شيء من إباء ولا امتناع ولا حديث نفس في شيء من ذلك ) وتلّه ) أي صرعه إبراهيم عليهما السلام صرعًا جيدًا سريعًا مع غاية الرضا منه والمطاوعة من إسماعيل عليه السلام ، ودل على السرعة باللام الواقعة موقع ( على ) فقال: ( للجبين ) أي أحد شقي الجبهة ، وهي هيئة إضجاع ما يذبح ، وهذا من قولهم: تله - إذا صرعه ، وبه سمي التل من التراب ، وتلك فلانًا في يدك أي دفعته سلمًا ، والجبين - قال في الصحاح: فوق الصدغ ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها .
ولما كان من الواضح أن التقدير جوابًا لما عالج ذبحه بعزم امضى من السنان ، وجنان في ثباته أيما جنان ، فمنعناه من التأثير بقدرتنا ، ورددنا شفرته الماضية عن عنقه اللينة بأيدينا وقوتنا ، عطف عليه قوله: ( وناديناه ( وفخم هذا النداء بحرف التفسير فقال: ( إن يا إبراهيم ( ولما كان محل التوقع الثناء عليه قال:( قد صدقت ) أي تصديقًا عظيمًا ) الرؤيا ( في أنك تذبحه ، فإنك قد عالجت ذلك ، وبدلت الوسع فيه ، وفعلت ما رأيته في المنام ، فما انذبح لأنك لم تر أنك ذبحته ، فاكفف عن معالجة الذبح بأزيد من هذا .
ولما كان التقدير: فجزيناك على ذلك لإحسانك فوق ما تحب ، وجعلناك إمامًا للمتقين ،