فهرس الكتاب

الصفحة 3482 من 4996

صفحة رقم 380

عليه قوله صارفًا الكلام عن الغيبة إلى مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم تأبى له عظمته غير الجد العظيم: ( وما خلقنا ) أي على ما لنا من العظمة ، ويجوز أن تكون الجملة حالية .

ولما كان السياق لما وقع من الشقاق عنادًا لا جهلًا ، ذكر من السماوات ما لا يمكن النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس فيشمل الكل فقال: ( السماء ) أي التي ترونها ) والأرض وما بينهما ( مما تحسونه من الرياح وغيرها خلقا ) باطلًا ) أي لغير غاية أردناها بذلك من حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء ، ومجازاة من فيهما بالثواب لكن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى الناس عقلًا لا يبني بناء ضخمًا إلا لغاية أرادها ، وتلك الغاية هي الفصل بين الناس الذين أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار ، وبثثنا بينهم الأسباب الموجبة لانتشار الصفاء فيهم والأكدار ، وأعطيناهم العقول تنبيهًا على ما يراد ، وأرسلنا فيهم الرسل ، وأنزلنا إليهم الكتب ، بالتعريف بما يرضينا ويسخطنا ، فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان هذا الخلق كله باطلًا لا حكمة فيه اصلًا ، لأن خلقه للضر أو النفع أو لا لواحد منهما ، والأول باطل لأنه غير لائق بالرحيم الكريم ، والثالث باطل لأنه كان في حال العدم كذلك ، فلم يبق للإيجاد مرجح ، فتعين الوسط وهو النفع ، وهو لا يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها ، وتحمل ضر كثير لنفع غير لائق بالحكيم الكريم ، فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة المطابق لما ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء .

ولما كان هذا - وهو منابذة الحكمة - عظيمًا جدًا ، عظمه بقوله: ( ذلك ) أي الأمر البعيد عن الصواب ) ظن الذين كفروا ) أي من أوقع هذا الظن في وقت ما ، فقد أوجد الكفر لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات الكمال والمجازاة بالثواب والعقاب ، ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق ، فكان إقراره بأنه خالق كلا إقرار فكان كافرًا به ، ثم سبب عن هذا الظن قوله: ( فويل ) أي هلاك عظيم بسبب هذا الظن ، وأظهر في موضع الإضمار تعميمًا وتعليقًا للحكم بالوصف فقال: ( للذين كفروا ) أي مطلقًا بهذا الظن وبغيره ) من ) أي مبتدأ من ) النار ) أي الحكم عليهم بها .

ولما كان التقدير: أفنحن نخلق ذلك باطلًا ؟ فلا يكون له مآل يظهر فيه حكمته ونحن منزهون عن العبث ، عطف عليه قوله إنكارًا لما يلزم من ترك البعث من التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه ، وذلك أشد من العبث وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يقبح منه شيء: ( أم نجعل ) أي على عظمتنا ) الذين آمنوا ) أي امتثالًا لأوامرنا ) وعملوا ) أي تصديقًا لدعواهم الإيمان ) الصالحات ( من الأعمال كالذين أفسدوا وعملوا السيئات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت