فهرس الكتاب

الصفحة 3518 من 4996

صفحة رقم 416

ولما أخبر سبحانه عما له وحده ، وكان محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان على الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسدة ليتركها ، وأرشد السياق إلى أن التقدير: فمن أخلص له الدين هداه في جميع أموره ، وإن اشتد الإشكال ، وتراكمت وجوه الضلال ، عطف عليه الإخبار عمن لزم الضلال ، والغي والمحال ، فقال محذرًا من مثل حاله ، بما حكم عليه في مآله: ( والذين ( ولما كان الإنسان مفطورًا على الخضوع للملك الديان ، ولا يلتفت إلى غيره إلا بمعالجة النفس بما لها من الهوى والطغيان ، عبر بصيغة الافتعال فقال:( اتخذوا ) أي عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن الله فأخذوا ، ونبههم على خطئهم في رضاهم بالأدنى على الأعلى بقوله: ( من دونه( ومعلوم أن كل شيء دونه ) أولياء ) أي يكلون إليهم أمورهم ، ويدخل فيهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله مع اعترافهم بان الله تفرد بخلقهم ورزقهم .

ولما كان من العجب العجيب فعلهم ، هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية بينة في أنه لا هدى لهم فقال: ( ما ) أي قائلين لمن أخلصوا له الدين إذا أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه وليًا: ما ) نعبدهم ( لشيء من الأشياء ) إلا ليقربونا ( ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب بالتعبير بالاسم الأعظم مع حرف الغاية فقال: ( إلى الله( الذي له معاقد العز ومجامع العظمة ، تقريبًا عظيمًا على وجه التدريج ويزلفونا إليه ) زلفى ) أي تقريبًا حسنًا سهلًا بهجًا زائدًا ناميًا متعاليًا ، قال القشيري: ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا بإذنه ، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم ، فرد الله عليهم ، وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت ، فكل ذلك اتباع هوى انتهى والاية من الاحتباك: ذكر فعل التقريب أولًا دليلًا على فعل الزلف ثانيًا ، واسم الزلف ثانيًا دليلًا على الاسم من التقريب أولًا ، وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم ، فأتى سبحانه في حكايته عنهم بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة على المعنى بلفظين وأوضحهما ، وقد خسر لعمري غاية الخسارة قوم تمذهبوا بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية التي ذم الله المعتذر بها ، وعلى ذلك فقد راج اعتذارهم بها على كثير من العقول ، وهم أهل الاتحاد الذين لا أسخف من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم .

ولما كان إنما محط دينهم الهوى ، وكان كل من تبع الهوى لا ينفك عن الاضطراب في نفسه ، فكيف إذا كان معه غيره فكيف إذا كانوا كثيرًا فيكثر الخلاف والنزاع وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة ، ولذلك كلن لكل قبيلة ممن يعبد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت