فهرس الكتاب
صفحة رقم 429
التقدير .
قال الله ، وتشريفًا لهم بالإضافة إليه بالضمير الدال على اللطف وشدة الخصوصية ، وإعلامًا لهم بأنه حاضر لا يغيب عنهم بوجه: ( الذين آمنوا ) أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى حالاتها .
ولما كان الإحسان ربما جرأ على المحسن ، أشار سبحانه إلى سداد قزل العارفين ( اجلس على البساط وإياك والانبساط ) ونبه بلفت القول على مظهر التكلم إلى الوصف بما يدل على أن العاقل من أوجب له الإحسان إجلالًا وإكبارًا ، وأثمر له العطف والتقريب ذلاًّ في نفسه وصغارًا ، وخوفًا وانسكارًا ، مما أقله قطع الإحسان فقال: ( اتقوا ربكم ) أي اجعلوا بينكم وبين غضب المحسن إليكم وقاية بأن تترقوا في درجات طاعته مخلصين له كما خلقكم لكم لا لغرض له ليرسخ إيمانكم ويقوي إحسانكم ، وهذا أدل دليل على أن الإيمان يكون مع عدم التقوى .
ولما أرشدهم بالاسم الناظر إلى الإحسان إلى أن يقولوا: فما لنا إن فعلنا ؟ قال مجيبًا معللًا: ( للذين أحسنوا ) أي لكم ، ولكنه أظهر الوصف الدال على سبب جزائهم تشويقًا إلى الازدياد منه ، ولما كان العمل لا ينفع إلا في دار التكليف قال: ( في هذه( باسم الإشارة زيادة في التعين ) الدنيا ) أي الدنية الوضرة التي لا تطهر الحياة فيها إلا بالتقديس بعبادة الخالق والتخلق بأوصافه ) حسنة ) أي عظمية في الدنيا بالنصر والمعونة مع كثرة المخالف وفي الآخرة بالثواب ، ويجوز أن يكون معنى ) أحسنوا ( أوقعوا الإحسان ، ومعلوم أنه في هذه الدنيا ، فيكون ما بعده مبتدأ وخبرًا ، لكنه يصير خاصًا بثواب الدنيا ، فالأول حسن .
ولما كان ربما عرض للإنسان في أرض من يمنعه الإحسان ، ويحمله على العصيان ، حيث سبحانه على الهجرة إلى حيث يزول عنه ذلك المانع ، تنبيهًا على أن مثل هذا ليس عذرًا في التقصير كما قيل:
وإذا نبا بك منزل فتحول
فقال: ( وأرض الله ) أي الذي له الملك كله والعظمة الشاملة ) واسعة ( ووجوده بعلمه وقدرته في كل أرض على حد سواء ، فالمتقيد بمكان منها ضعيف العزم واهن اليقين ، فلا عذر للمفرط في الإحسان بعدم الهجرة .
ولما كان الصبر على هجرة الوطن ولا سيما إن كان ثّم أهل وعشيرة شديدًا جدًا ، ذكر ما للصابر على ذلك لمن تشوف إلى السؤال عنه فقال: ( إنما يوفى ) أي التوفية العظمية ) الصابرون ) أي على ما تكرهه النفوس في مخالفة الهوى واتباع أوامر الملك الأعلى من الهجرة وغيرها ) أجرهم بغير