فهرس الكتاب

الصفحة 3563 من 4996

صفحة رقم 461

ولما كان هذا أمرًا لا ينكره أحد ، عده مسلمًا وقال: ( إن في ذلك ) أي الأمر العظيم ، وأكده لأن أفعالهم أفعال من ينكر أن يكون فيه عبرة ) لآيات لقوم ( ذوي قوة وهمم عليه ) يؤمنون ) أي هيئوا لأن يوجد منهم الإيمان فيجددوا التصديق في كل وقت تجديدًا مستمرًا بأن الأمور كلها من الله فيخافوه ويرجوه ويشكروه ولا يكفروه ، وأما غيرهم فقد حقت عليه الكلمة بما هيئ له من عمل النار ، فلا يمكنه الإيمان فليس له في ذلك آيات لأنها لا تنفعه .

ولما حذر سبحانه في هذه السورة ولا سيما في هذه الآيات فطال التحذير ، وأودعها من التهديد وصادع الإنذار والوعيد العظيم الكثير ، وختم بالحث على الإيمان ، والنظر السديد في العرفان ، وكانت كثرة الوعيد ربما أيأست ونفرت وأوحشت ، وصدت عن العطف وأبعدت ، قال تعالى مستعطفًا مترفقًا بالشاردين عن بابه متلطفًا جامعًا بين العاطفين ، كلام ذوي النعمة على لسان نبي الرحمة صارفًا القول إلى خطابه بعد أسلوب الغيبة: ( قل ) أي يا أكرم الخلق وأرحمهم بالعباد ، ولفت عما تقتضيه ( قل ) من الغيبة إلى معنى الخطاب زيادة في الاستعطاف ، وزاد في الترفق بذكر العبودية والإضافة إلى ضميره عريًا عن التعظيم فقال: ( يا ) أي ربكم المحسن إليكم يقول: يا ) عبادي ( فلذذهم بعد تلك المرارات بحلاوة الإضافة إلى جنابه تقريبًا من بابه .

ولما أضاف ، طمع المطيعون أن يكونوا هم المقصودين ، فرفعوا رؤوسهم ، ونكس العاصون وقالوا: من نحن حتى يصوب نحونا هذا المقال ؟ فقال تعالى جابرًا لهم: ( الذي أسرفوا ) أي تجاوزوا الحد في وضع الأشياء في غير مواضعها حتى صارت لهم أحمال ثقال ) على أنفسهم ( فأبعدوها عن الحضرات الربانية ، وأركسوها في الدنايا الشيطانية ، فانقلب الحال ، فهؤلاء الذين نكسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذلتهم والذين رفعوا رؤوسهم أطرقوا وزالت صولتهم - قاله القشيري ، وأفهم تقييد الإسراف أن الإسراف على الغير لا يغفر إلا بالخروج عن عهدة ذلك الغير ) لا تقنطوا ) أي ينقطع رجاؤكم وتيأسوا وتمتنعوا - وعظم الترجية بصرف القول عن التكلم وإضافة الرحمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الجلال والإكرام فقال: ( من رحمة الله ) أي إكرام المحيط بكل صفات الكمال ، فيمنعكم ذلك القنوط من التوبة التي هي باب الرحمة ، ولعظم المقام أضاف إلى الاسم الأعظم ، ثم علل ذلك بقوله على سبيل التأكيد لظنهم أن كثرة الوعيد منعت الغفران ، وحتمت الجزاء بالانتقام ، وكرر الاسم الأعظم تعظيمًا للحال ، وتأكيدًا بما فيه من معنى الإحاطة والجمع لإرادة العموم: ( إن الله ) أي الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال والإكرام ، فكما أنه متصف بالانتقام وهو متصف بالعفو والغفران ) يغفر ( إن شاء ) الذنوب ( ولما أفهمت اللام الاستغراق أكده فقال: ( جميعًا ( ولا يبالي ، لكنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت