فهرس الكتاب
صفحة رقم 515
ولما كان بلوغها أمرًا عجيبًا ، أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيمًا لشأنها ، ليتشوف السامع إلى بيانها ، بقوله: ( أسباب السماوات ) أي الأمور الموصلة إليها ، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه .
ولما ذكر هذا السبب ، ذكر المسبب عنه فقال: ( فاطًّلع ) أي فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع ) إلى إله موسى ( فيكون كما ترى عطفًا على ) أبلغ ( ، ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيهًا على أن ما أبرزه الخبيث في عداد الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة .
ولما كان من جملة إرادته بذلك مع إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن يخيلهم بأن يقول: طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة ، قدم لهم قوله مبينًا لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى عليه السلام: ( وإني لأظنه ) أي موسى ) كاذبًا ( فترك الكلام على احتمال أن يريد في الرسالة أو في الإلهية .
ولما كان هذا أمرًا عجيبًا ، وهو كون أحد يظن أنه يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء ، وأن الإله الذي هو غني عن كل شيء وقد كان ولا شيء معه يكون في السماء ، أو في محل من المحال ، فإن كل حال في شيء يحتاج إلى محله ، وكل محتاج عاجز ولا يصلح العاجز للإلهية لو لم يجئ عن الله لما كان أهلًا لأن يصدق ، فكان التقدير: عمله فرعون لأنا زيناه له ، عطف عليه زيادة في التعجيب: ( وكذلك ) أي ومثل ذلك التزيين العظيم الشأن اللاعب بالألباب .
ولما كان الضار هو التزيين لا المزين الخاص ، بناه للمفعول فقال: ( زين ) أي زين المزين النافذ الأمر ، وهو لله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه ، والشيطان مجازًا بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق الله تعالى ) لفرعون سوء عمله ( في جميع أمره ، فاقبل عليه راغبًا فيه مع بعده من عقل أقل ذوي العقول فضلًا عن ذوي الهمم منهم فضلًا عن الملوك ، وأطاعة فيه وقومه ) وصُد ( بنفسه ومنع غيره على قراءة الفتح ، ومنعه الله - على قراءة الكوفيين ويعقوب بالضم ) عن السبيل ) أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها ، وهو الموصلة إلى الله تعالى .
ولما كان هذا السياق بحيث يظن منه الظان أن لفرعون نوع تصرف ، نفي ذلك بقوله: ( وما كيد ( واعاد الاسم ولم يضمره لئلا يخص بخيثية من الحيثيات فقال:( فرعون ) أي في إبطال أمر موسى عليه السلام ) إلا في تباب ) أي خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه ، وما تعطاه إلا لأنه محمول عليه ومقهور فيه ، كما كشف عنه الحال ، فدل ذلك قطعًا على أنه لو كان له أدنى تصرف يستقل به لما أنتج فعله الخسار .