فهرس الكتاب

الصفحة 3630 من 4996

صفحة رقم 528

وأقلهم يعلمون ، فثبت أن خالقهم الذي فاوت بينهم قادر مختار لا شريك له ، فإنه ما يستوي العالم والجاهل: ( وما يستوي ) أي بوجه من الوجوه من حيث البصر ) الأعمى والبصير ( وذلك موجب للعلم بأن استناد المختالفين ليس إلى الطبيعة ، بل إلى فاعل مختار .

ولما ذكر الظلام والنور الحسيين ، أتبعه المعنويين نشرًا ليكشف قسما الظلام قسمي النور إشارة إلى أن المهتدي عزيز الوجود ، كالذهب الإبريز بين النقود ، فقال: ( والذين آمنوا ) أي أوجدوا هذه الحقيقة ثبتت أو لا ) وعملوا الصالحات ( كذلك فكانوا محسنين ) ولا المسيء ) أي الثابت الإساءة الذي كفر وعمل الصالحات ، ووقع التغاير في العطف لأن المراد - والله أعلم - نفس التساوي بين أفراد الأعمى وأفراد البصير والمحسن والمسيء ، ولكنه لما كان في المخاطبين الغبي والذكي ، عطف البصير بغير ( لا ) ليكون ظاهر ذلك نفي المساواة بين نوعي الأعمى والبصير ، لأن نفي المساواة بين أفراد الأنواع دقيق ، واقتصر على الواو في عطف ) الذين آمنو ( لأنه لا ينتظم أن يراد جعل الأعمى والبصير فريقًا والمؤمن الموصوف فريقًا ، وينتفي التساوي بينهما لأنه لا لبس في أن المؤمنين الموصوفين كالبصير ، وليس فيهم من يتوهم مساواته للأعمى ، فكان من الجلي معرفة أن المراد نفسي مساواة الأعمى للبصير ونفي مساواة المؤمن الموصوف للمسيء ، وزيدت( لا ) في المسيء وعبر فيه بالإفراد إشارة للفطن إلى أن المراد نفي التساوي بين أفراد كل نوع لأن ذلك أدل على القدرة ، وأنها بالاختيار ، وهذا بخلاف الظلمات في سورة فاطر لأنه لو تركت ( لا ) هناك لتوهم متوهم أن المنفي المساواة بين الأعمى والبصير وبين الظلمات ، فيوجد حينئذ الطعن بأن الظلمات مساوية لهما باعتبار أن الظلمة منها كثيف جدًا لا يمكن نفوذ البصر فيه ، ومنها خفيف جدًا يكون تسميته ظلامًا بالنسبة إلى النور الساطع ، والآية من الاحتباك: ذكر عمل الصالحات أولًا دليلًا على ضدها ثانيًا ، والمسيء ثانيًا دليلًا على المحسنين أولًا ، وسره أنه ذكر الصلاح ترغيبًا والإساءة ترهيبًا .

ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه في علمه إلا عدم تذكره لحسه حتى في نفسه قال تعالى: ( قليلًا ما يتذكرون ) أي المجادلون أو أيها المجادلون أو الناس المتذكر - بما دل عليه الإظهار - منكم قليل - على قراءة الكوفيين بالخطاب لأنه أقوى في التبكيت ، وأدل على الغضب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت