فهرس الكتاب

الصفحة 3634 من 4996

صفحة رقم 532

سقوط المتكلم به بكل اعتبار لمكابرته في المشاهد المحسوس ، وفي المعقول المركوز في جميع النفوس .

ولما كشف هذا السياق عن أن هذا الصرف أمر لا يقدم عليه عاقل ، كان كأنه قيل: هل وقع لأحد غير هؤلاء مثل هذا ؟ فأجيب بقوله: ( كذلك ) أي مثل هذا الصرف الغريب البعيد عن مناهيج العقلاء ) يؤفك ) أي يصرف صرف سيئًا - بناه للمفعول إشارة إلى تمام قدرته عليه بكل سبب كان ، ولأنه المتعجب منه ) الذين كانوا ( مطبوعين على أنهم ) بآيات الله ) أي ذي الجلال والجمال ) يجحدون ) أي ينكرون عنادًا ومكابرة ، فدل هذا على أن كل من تكبر عن حق فأنكره مع علمه به عوقب بمسخ القلب وعكس الفهم ، فصار له الصرف عن وجوه الدلائل إلى أقفائها ديدنًا بحيث يموت كافرًا إن لم يتداركه الله برحمة منه .

ولما تقرر أنه سبحانه ربنا وحده ، وأن مدعي ربوبية ما سواه معاند ، لأنه سبحانه متميز بأفعاله التي لا يشاركه فيها أحد ، دل على ذلك بوجه مركوز في الطبائع صحته ، واضح في العقول معرفته ، كالمعلل لتسمية هذا الإنكار جحودًا ، فقال دالًا بالخافقين بعد الدلالة بما نشأ عنهما من الملوين ، وأخر هذا لأنه مع كونه أجلى سبب بقرارية الأرض وفلكية السماء لذاك ، بما حصل فيه من الاختلاف ، فقال: ( الله ) أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ) الذي جعل ) أي وحده ) لكم الأرض ) أي مع كونها فراشًا ممهدًا ) قرارًا ( مع كونها في غاية الثقل ، ولا ممسك لها سوى قدرته ) والسماء ( على علوها وسعتها مع كونها افلاكًا دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ، ينشأ عنها الليل والنهار والإظلام والإبصار ) بناء ( مظلة كالقبة من غير عماد حامل ، ومن المعلوم لكل ذي عقل أن الأجسام الثقيلة تقتضي بطبعها تراص بعضها على بعض ، فلا يمنع بعضها من السقوط على بعض إلا بقوة وقسر ، فالآية من الاحتباك: ذكر القرار أولًا دليلًا على الدوران ثانيًا ، والبناء ثانيًا دليلًا على الفراش أولًا .

ولما ذكر المسكين ذكر الساكن دالًا على أنه الفاعل في الكل باختياره وتمام قدرته بتصويره الإنسان بصورة لا يشبهها صورة شيء من الحيوانات ، وفاوت بين أفراده في هيئة تلك الصورة على أنحاء لا تكاد تنضبط في نفسها ، ولا تسبه واحدة منها الأخرى ، ولا في الخافقين شيء يشبهها محال تصويرها عليه فقال: ( وصوركم( والتصوير على غير نظام واحد لا يكون بقدرة قادر تام القدرة مختار لا كما يقول أهل الطبائع ) فأحسن صوركم ( على أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الموجود ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت