فهرس الكتاب
صفحة رقم 535
صاعدين بالقوة في أوج الكمال طورًا بعد طور وحالًا بعد حال ) لتبلغوا أشدكم ثم ( يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول ) لتكونوا شيوخًا ( ضعفاء غرباء ، قد مات أقرانكم ، ووهت أركانكم ، فصرتم تخشون كل أحد .
ولما كان هذا مفهمًا لأنه حال الكل ، بين أنه ما أريد به إلا البعض لأن المخاطب الجنس ، وهو يتناول البعض كما يتناول الكل فقال: ( ومنكم من يتوفى ( بقبض روحه لحظة يسيرة مما بينهما ، أدخل الجار على الظرف فقال:( من قبل ) أي قبل حال الشيخوخة أو قبل حال الأشدية .
ولما كان المعنى: لتتفاوت أعماركم وأحوالكم وأعمالكم ، عطف عليه قوله: ( ولتبلغوا ) أي كل واحد منكم ) أجلًا مسمى ) أي له سماه الملك الذي وكل به في بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي قدرناه في الأزل ، فلا يتعداه مرة ، ولا بمقدار فيتجدد للملائكة إيمان في كل زمان .
ولما كانت هذه الأمور مقطوعًا بها عند من يعلمها ، وغير مترجاة عند من يجهلها ، فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها ، فعبر فيها اللام ، وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في موضع الرجاء للعاقل قال: ( ولعلكم تعقلون ) أي فتعلموا بالمفارقة بين الناس فيها ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة وأدوار الأسنان ، وإرجاع أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر مختار حكيم قهار ، لا يشبه شيئًا ولا يشبه شيء .
ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من التراب ، وختمه بأن دلالته على البعث - بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور على أوائلها وغير ذلك - لا يحتاج إلى غير العقل ، أنتج عنه قوله: ( هو( لا غيره ) الذي يحيي ويميت ( كما تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة إليه بخلق السماوات والأرض ، فإن من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال المضروبة باختلاف الليل والنهار والشهور والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها ، ثم رجوعها عودًا على بدء مثل تطوير الإنسان بعد الترابية من النطفة إلى العلقة إلى ما فوقها ، ثم رجوعه في مدارك هبوطه إلى أن تصير ترابًا كما كان ، فليست النهاية بأبعد من البداية .
ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة نافذة ، سبب عن ذلك قوله معبرًا بالقضاء: ( فإذا قضى أمرًا ) أي أراد أيّ أمر كان من القيامة أو غيرها ) فإنما يقول له كن ( ولما كانت ) إذا ( شرطية أجابها في قراءة ابن عامر بقوله: ( فيكون( وعطفها في قراءة غيره على ) كن ( بالنظر إلى معناه ، أو يكون خبرًا لمبتدأ أي فهو يكون ، وعبر بالمضارع