فهرس الكتاب
صفحة رقم 558
صنعًا نافذًا هو كالقضاء لا تخلف فيه ) في يومين ) أي الخميس والجمعة إذا حسب مقدار ما يخصهن من التكوين في الستة الأيام التي كان فيها جحميع الخافقين ، وما بينهما كان بمقدار ما خص واحدًا من الأرض ومن أقواتها لا يزيد على مدة منهما ولا ينقص ، فيكون الذي خصهما ثلث المجموع ، قال ابن جرير: وإنما سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق السماوات والأرض .
يعني فرغ من ذلك وأتمه ) وأوحى ) أي ألقى بطريق خفي وحكم مبتوت قوي ) في كل سماء أمرها ) أي الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل ، وزمام مبرم لا ينحل .
ولما عم ، خص ما للتي تلينا إشارة إلى تشريفنا ، فقال صارفًا القول إلى مظهر العظمة تنبيهًا على ما في هذه الآية من العظم: ( وزينّا ) أي بما لنا من العظمة ) السماء الدنيا ) أي القربى إليكم لأجلكم ) بمصابيح ( من زواهر النجوم ، وشفوفها عنها لا ينافي أن تكون في غيرها مما هو أعلى منها ، ودل السياق على أن المراد: زينة ) و ( حفظناها بها ) حفظًا ( من الشياطين ، فالآية من الاحتباك: حذف فعل الحفظ بدلالة المصدر ، ومصدر الزينة بما دل عليه من فعلها .
ولما كان هذا أمرًا باهرًا ، نبه على عظمته بقوله صارفًا الخطاب إلى صفتي العز والعلم إعلامًا بأنهما أساس العظمة ومدارها: ( ذلك ) أي الأمر الرفيع والشأن البديع ) تقدير العزيز ( الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ) العليم ( المحيط علمًا بكل شيء وكما قدر سبحانه ذلك بعزته وعلمه قضى أنه لا يفيد العز الدائم إلا ما شرعه من العلم ، وفي ختمه بالوصفين بشارة للأمة التي خوطبت بهما أنه يوتيها من عزه وعلمه لا سيما بالهبة وما شاكلها من الطبائع وغيرها ما لم يؤت أمه من الأمم قبلها ، وسر خلقه سبحانه العالم في مدة ولم يكن قي لمحة وجعلها ستة لا أقل ولا أكثر أنه لو خلقه في لمحة لكان ذلك شبهة لمن يقول: إنه فاعل بالذات لا بالاختيار ، فاقتضى الحال عددًا ، ثم اقتضى الحال أن يكون ستة لأنها أول عدد يدل على الكمال لأنها عدد تام كسورها لا تزيد عنها ولا تنقص ، فآذن ذلك بأن للفاعل نعوت الكمال وأوصاف التمام والتعال ، ولم يخلقه فيما دون ذلك من العدد لأنه ناقص ، وخلق الأرض في يومين مكررين باعتبار الذات والمنافع إيذانًا بما يقع فيها من المعصية بالشرك الذي هو تثنية وإفك ، ولم يكرر في السماء لأن آياتها أدل على التوحيد ولم يحصل من أهلها ما يدل على الوعيد ، وليكون إيجادها في أقل من مدة الأرض - مع أنها أكبر جرمًا وأعجب صنعًا وأتقن جسمًا - أدل على الفعل بالاختيار بعجائب الحكم وغرائب الأسرار الكبار .