فهرس الكتاب

الصفحة 3663 من 4996

صفحة رقم 561

الفطرة الأولى فهو علم ضروري ) أنّ الله ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا ) الذي خلقهم ( ولم يكونوا شيئًا ) هو أشد منهم قوة ( ومن علم أن غيره أقوى منه وكان عاقلًا انقاد له فيما ينفعه ولا يضره ، واجتماع قوتهم التي هي شدة البنية وقوته سبحانه التي هي كمال القدرة وهي صفة قائمة بذاته سبحانه إنما هو من الآثار الناشئة عن القوة ، فلذلك جمعًا بأشد .

ولما بين أنهم أجدوا الكبر ، عطف عليه من غرائزهم ما هو أصل لكل سوء ، فقال مبينًا قرط جهلهم باجرائهم على العظمة التي شأنها قصم الظالم وأخذ الآثم: ( وكانوا ) أي طبعًا لهم ) بآياتنا ( على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا ) يجحدون ) أي ينكرون إنكارًا يضمحل عنده كل إنكار عنادًا مع علمهم بأنها من عندنا ) فأرسلنا ( بسبب ذلك على ما لنا من العظمة ، ودل على صغارهم وحقارتهم بأداة الاستعلاء فقال: ( عليهم ( وزاد في تحقيرهم بأن أخبر أنه أهلكهم لأجل ما تعززوا به من قوة أبدانهم ووثاقة خلقهم بما هو من ألطف الأشياء جسمًا وهو الهواء فقال:( ريحًا ) أي عظيمة ) صرصرًا ) أي شديدة البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجمد البدن ببردها فتكون كأنها تصره - أي تجمعه - في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوته ، وتقطع القلب بصوتها ، فتقهر شجاعته ، وتحرق بشدة بردها كل ما مرات عليه .

ولما تقدم في هذا السياق استكبارهم على الوجه المذكور وادعاؤهم أنهم أشد الناس قوة اقتضى الحال تحقيرهم في إهلاكهم ، فذكر الأيام دون الليالي وإن تضمنتها فقال تعالى: ( في أيام ( ولما كان جمع القلة قد يستعار للكثرة حقق أن المراد القلة بوصفه بجمع السلامة فقال: ( نحسات ( وكان ذلك أدل على هذا المراد من إفراد اليوم كما في القمر لأنه قد يراد به زمان يتم فيه أمر ظاهر ولو طالت مدته ، ويصح للجنس فيشمل مع القليل ما يصلح له جمع الكثرة .

وفيه - مع أنه نذارة - رمز للمنزل عليه هذا الوحي ( صلى الله عليه وسلم ) بأعظم بشارة لما أومأ إليه افتتاح السورة باسمي الرحمة ، وقوله تعالى ) بشيرًا ونذيرًا ( ومن جعل أيام هذا العذاب ثمانية ، أشار إلى الحلم والتأني كما أشار إليه ما تقدم من خلق هذا الوجود في ستة أيام ، وقد كان قادرًا على كل من التعذيب والإيجاد في لحظة واحدة ، فأشار ذلك إلى أنه في السنة السادسة من الهجرة يكون الفتح السببي بعمرة الحديبية التي كانت سبب نزول سورة الفتح ، وفي السابعة يكون الاعتمار الذي كان عليهم أشد من وقوع الصارم البتار ، حتى ذهب عمرو بن العاص من أجل ذلك إلى الحبشة لئلا يرى من دخول النبي( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه رضي الله عنهم ما لا صبر له عليه ، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت