فهرس الكتاب

الصفحة 3675 من 4996

صفحة رقم 573

عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) 73

ولما كان التقدير: لا أحد أحسن قولا منه ، بل هو المحسن وحده ، فلا يستوي هذا المحسن وغيره أصلًا ، ردًا عليهم أن حالهم أحسن من حال الدعاة إلى الله ، وكان القيام بتكميل الخلق يحتاج إلى جهاد للنفس عظيم من تحمل المشاق والصبر على الأذى ، وغير ذلك من جميع الأخلاق ، عطف عليه التفرقة بين عمليهما ترغيبًا في الحسنات فقال: ( ولا تستوي ) أي وإن اجتهدت في التحرير والاعتبار ) الحسنة ) أي لا بالنسبة إلى أفراد جنسها ولا بالنسبة إلى عامليها عند وحدتها ، لتفاوت الحسنات في أنفسها ، والحسنة الواحدة باعتبار نيات العاملين لها واجتهادهم فيها ولا بالنسبة إلى غيرها ، وإلى ذلك إشارة بالتأكيد في قوله: ( ولا السيئة ) أي في نفسها ولا بالنسبة إلى جنس آخر .

ولما أنتج هذا الحث على الإقبال على الحسن والإعراض عن السيء ، وأفهم أن كلًا من القسمين متفاوت الجزئيات متعالي الدرجات ، وكان الإنسان لا ينفك عن عوارض تحصل له من الناس ومن نفسه يحتاج إلى دفع بعضها ، أنتج عند قصد الأعلى فقال: ( ادفع ) أي كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس ) بالتي ) أي الخصال والأحوال التي ) هي أحسن ( على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات فالعفو عن المسيء حسن ، والإحسان أحسن منه ) فإذا الذي بينك وبينه عداوة ( عظيمة قد ملأت ما بين البنيين فاجأته حال كونه ) كأنه ولي ) أي قريب ما يفعل القريب ) حميم ) أي في غاية القرب لا يدع مهمًا إلا قضاه وسهله ويسره ، وشفا علله ، وقرب بعيده ، وأزال درنه ، كما يزيل الماء الحار الوسخ .

ولما كانت هذه الخصلة أمّا جامعًا لجميع مصالح الدين والدنيا قال منبهًا على عظيم وبديع نبلها حاثًا على الاستظلال بجميع ظلها مشيرًا بالبناء للمفعول إلى أنها هي العمدة المقصودة بالذات على وجه منبه على أنها مخالفة لجبلة الأنسان حثًا على الرغبة في طلبها من واهبها ) وما يلاقها ) أي يجعل لاقيًا لهذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة باحسن الحسن وهو الإحسان الذي هو أحسن من العفو والحلم والصبر والاحتمال بأن يعلق الله تعالى إرادته على وجه الشدة والمبالغة بإلقائها إليه ) إلا الذين صبروا ) أي وجدت منهم هذه الحقيقة وركزت في طباعهم ، فصاروا يكظمون الغيظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت