فهرس الكتاب
صفحة رقم 581
من الأمرين أنجى ناسًا وغفر لهم كقوم يونس عليه الصلاة والسلام ، وعاقب آخرين ، وسيفعل في قومك من كل من الأمرين ما هو الأليق بالرحمة بإرسالك ، كما أشار إليه ابتداؤه بالمغفرة ، فالآية نحو: إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، ولعله لم يصرح هنا تعظيمًا للقرآن الذي الكلام بسببه .
ولما افتتحت السورة بأنه أنزل على أحسن الوجوه وأجملها وأعلاها وأبينها وأكملها من التفصيل ، والجمع والبيان بهذا اللسان العظيم الشأن ، فقالوا فيه ما وقعت هذه التسلية لأجله من قولهم ) فلوبنا في أكنة ( إلى آخره ، وكان ربما قال قائل ؛ لو كان بلسان غير العرب ، وأعطى هذا النبي فهمه والقدرة وعلى تنبييه لكان أقوى في الإعجاز وأجدر بالاتباع ، أخبر أن الأمر ليس كذلك ، لأنهم لم يقولوا: هذا الشك حصل لهم في أمره ، بل عنادًا ، والمعاند لا يرده شيء ، فقال على سبيل التأكيد ، معلمًا بأن الأمر على غير ما ظنه هذا الظان ، وقال الأصبهاني: إنه جواب عن قولهم ) وقالوا قلوبنا في أكنه( .
والأحسن عندي أن يكون عطفًا على )فصلت آياته قرآنًا عربيًا ( وبناه للمفعول لأنه بلسانهم فلم يحتج إلى تعيين المفصل ، فيكون التقدير: فقد جعلناه عربيًا معجزًا ، وهم أهل العلم باللسان ، فأعرضوا عنه وقالوا فيه ما تقدم ، ولفت القول عن وصف الإحسان الذي اقتضى أن يكون عربيًا إلى مظهر العظمة الذي هو محط إظهار الاقتدار وإنفاذ الكلمة ) ولو جعلناه ) أي هذا الذكر بما لنا من العظمة والقدرة ) قرآنًا ) أي على ما هو عليه من الجمع ) أعجميًا ) أي لا يفصح وهو مع ذلك على وجه يناسب عظمتنا ليشهد كل أحد أنه معجز للعجم كما أن معجز للعرب وأعطيناك فهمه والقدرة على إفهامهم إياه ) لقالوا ) أي هؤلاء المتعنتون فيه كما يقولون في هذا بغيًا وتعنتًا: ( لولا ) أي هلا ولم لا ) فصلت آياته ) أي بينت على طريقة نفهمها بلا كلفة ولا مبين ، حال كونه قرآنًا عربيًا كما قدمنا أول السورة .
ولما تبين بشاهد الوجود أنهم قالوا في العربي الصرف وبشهادة الحكيم الودود ، وأنهم يقولون في الأعجمي الصرف ، لم يبق إلا المختلط منهما المنقسم إليهما ، فقال مستانفًا منكرًا عليهم للعلم بأن ذلك منهم مجرد لدد لا طلبًا للوقوف على سبيل الرشد: ( أعجمي ) أي أمطلوبكم أو مطلوبنا - على قراءة الخبر من غير استفهام - أعجمي ) وعربي ( مفصل باللسانين ، والأعجمي كما قاله الرازي في اللوامع: الذي لا يفصح ولو كان عربيًا والعجمي من العجم ولو تفاصح بالعربية .
ولما كان من الجائز أن يقولوا: نعم ، ذلك مطلوبنا ، وكان نزولًا من الرتبة العليا إلى ما دونها مع أنه لا يجيب إلى المقترحات إلا مريد للعذاب ، أو عاجز عن إنفاذ ما