فهرس الكتاب
صفحة رقم 641
إلى العفة ، وبالانتصار إلى الشجاعة ، حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل ، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل ، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث ، فإن من علم المماثلة كان عالمًا ، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفًا ، ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعًا ، وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب المتكبر بدليل البغي .
ولما كان شرط المماثلة نادبًا بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد ، سبب عنه قوله: ( فمن عفا ) أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة ) وأصلح ) أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس ، فيكون بذلك منتصرًا من نفسه لنفسه ) فأجره على الله ) أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم ، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( ما زاد عبدًا بعفو إلا عزًا ) .
ولما كان هذا ندبًا إلى العفو بعد المدح بالانتصار ، بين أن علته كراهة أن يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا الله ، فقال مضمرًا إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكدًا لكف النفس لما لها من عظم الاسترسال في الانتصار: ( إنه لا يحب الظالمين ) أي لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقًا في ذلك سواء كان ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر .
ولما كان هذا سادًا لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل ، قال مؤكدًا نفيًا لهذا الإشعار: ( ولمن انتصر ) أي سعى في نصر نفسه بجهده ) بعد ظلمه ) أي بعد ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان البعد .
ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه إحسانًا إلى عباد الله من الرتبة العليا ، بين ما لهذا الذاب عن نفسه القاصد لشفاء صدره وذهاب غيظه ، فقال رابطًا للجزاء بفاء السبب بيانًا لقصور نظره على دفع الظلم عن نفسه ، ويجوز كون ) من ( موصولة والفاء لما للموصول من شبه الشرط .
ولما عبر أولًا بالإفراد فكان ربما قصر الإذن على الواحد لئلا تعظم الفتنة ، جمع