فهرس الكتاب
صفحة رقم 53
ولما كان من مفهوم الإبلاس السكوت ، أعلم بأن سكوتهم ليس دائمًا لأن الإنسان إذا وطن نفسه على حالة واحدة ربما خف عنه بعد الألم ، فقال مبينًا أنهم من البعد بمحل كبير لا يطمعون معه في خطاب الملك ، وأنهم مع علمهم باليأس يعلقون آمالهم بالخلاص كما يقع للمتمنين للمحالات في الدنيا ليكون ذلك زيادة في المهم: ( ونادوا ( ثم بين أن المنادي خازن النار فقال مؤكدًا لبيان البعد بأداته: ( يا مالك ( وقراة( يا مال ) للإشارة إلى أن العذاب أوهنهم عن إتمام الكلام ، ولذا قالوا: ( ليقض علينا ) أي سله سؤالًا حتمًا أن القضاء الي لا قضاء مثله ، وهو الموت على كل وحد منا ، وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا: ( ربك ) أي المحسن إليك فلم يروا لله عليهم إحسانًا وهم في تلك الحالة ، فلا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلًا ، وأقل ذلك أنه لا يعذب أحدًا منهم فوق استحقاقه ، ولذلك جعل النار دركات كما كانت الجنة درجات ، ويجوز أن تكون عبارتهم بذلك تغييظًا له بما رأوا من ملابسة النار من تأثير فيه ، ونداؤهم لا ينافي إبلاسهم لأنه السكوت عن يأس ، فسكوتهم المقيد باليأس دائم ، فلذلك سألوا الموت ، والحاصل أنهم لا يتكلمون ما يدل على رجاء الفرج بل هم ساكتون أبدًا عن ذلك. . .
اليأس لا على رجاء الفرج باللحاق برتبة المتقين .
ولما ذكر نداءهم ، استأنف ذكر جوابهم بقوله: ( قال ) أي مالك عليه الصلاة والسلام مؤكدًا لأطماعهم لأن كلامهم هذا بحيث يفهم الرجاء ويفهم بأن رحمة الله تعالى التي هي موضع الرجاء خاصة بغيرهم ) إنكم ماكثون ( .
الزخرف: ( 78 - 83 ) لقد جئناكم بالحق. .. . .
)لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (( )
ولما ذكر سبحانه الساعة عند عيسى عليه الصلاة والسلام فقال ) وإنه لعلم للساعة ( وأكد أمرها وشرح بعه أحوالها إلى أن ختم بمادل على انحلال عزائمهم ولين شكائمهم ، وكانوا غير مقريب بذلك ، قال مؤكدًا جوابًا لمن يبصر بعض البصر فيقول: أحق هذا ؟ ويتوقع الجواب:( لقد جئناكم ) أي في هذه السورة خصوصًا وجميع القرآن عمومًا ، سمى مجيء الرسل مجيئًا لهم لما لمجيئهم من العظمة التي أشارت إليها النون ) بالحق ( الكامل في الحقية ، ولما كان ظهور حقيته بحيث لا يخفى على أحد ولكن شدة البغض وشدة الحب تريان الأشياء على غير ما هي عليه ، قال إشارة إلى