صفحة رقم 56
وخصوصها بي لكوني عبده خالصًا له يمنع على زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له ، فبطلت شبهتكم بمثلها بل أقوى منها ، وهذا مما علق بشيء هو بنقيضه أولى ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ( أن ) نافية بمعنى: ما ينبغي أي ما كان له ولد ، فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ولدًا ، ولو كان له ولد لعلمته فعبدته تقربًا إليه بعبادة ولده .
ولما بطلت الشبهة على تقدير ببرهان ، وعلى آخر بشبهة أقوى منها ، وظهر الأمر واتضح الحق في أنه سبحانه يشاء لشخص فعل شيء ولآخر عدم فعل ذلك الشيء وفعل ضده أو نقيضه ، ومن المعلوم قطعًا أنه لا يكون فعل النقيضين ولا الضدين في آن واحد حقًا من وجه واحد ، فعرف بذلك أن العبرة في الحلال والحرام بأمره ونهيه لا بإرادته ، وأنه لولا ذلك لما علم أنه فاعل بالاختيار يخص من يشاء منعباده بما يشاء بعد أن عمهم بما شاء ، كان موضع التنزيه عما نسبوه إليه من الباطلن فقال منزهًا على وجه مظهر أنه لا يصح أن ينسب إليه ولد أصلًا: ( سبحان رب ) أي مبدع ومالك ) السموات ( ولما كان المقام للتنزيه وجهة العلوية أجدر ، لأنه أبعد عن النقص والنقيض ، ولم يقتض الحال إعادة لفظ الرب بخلاف ما يأتي آخر الجاثية ، فإنه لإثبات الكمال ونظره إلى جميع الأشياء على حد سواء فقال:( والأرض ) أي اللتين كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإجاد والتربية .
ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلًا ، قال محققًا لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له ، ولم يعد العاطف لأن العرش من السماوات: ( رب العرش ) أي المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السموات والأرض ) عما يصفون ( من أنه له ولد أو شريك .
ولما حصحص الحق لمعت في الموجود كله أعلام الصدق بعد بطلان شبهتهم وبيان أغلوطتهم ، عرف أنهم فاعلون بوضع الأشيء في غير مواضعها فعل الخائض اللاعب ، فقال مسببًا عن ذلك: ( فذرهم ) أي اتركهم على أسوأ أحوالهم ) يخوضوا ) أي يفعلوا فعل الخائض في الماء في وضع رجله التي هي عماده فيما لا يعرفه ، وقد لا ينقصه ولا يزيده ) حتى يلاقوا ) أي يفعلوا بتصريم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا ) يومهم الذي يوعدون ( بوعد لا خلف فيه فيظهر فيه وعيدهم ويحق تهديدهم .